جمهورية النشطاء : حين يتحول الفضل الثوري إلى وصاية دائمة … زكي الدروبي

في مدرسة ابتدائية بإحدى مدن حمص، يدخل شاب يحمل هاتفه، يتجول بين الصفوف، يُملي على مديرة المدرسة كيف تدير مؤسستها. حين تسأله: “هل أنت وليّ أمر؟ هل معك تصريح رسمي؟”، يجيب بثقة من يملك حقاً مكتسباً: “أنا إعلامي” لا تصريح، لا صفة، لا صلة بالمدرسة سوى أنه قرر أن له حقاً في الحضور والأمر والنهي. حين تطلب منه الالتزام بالقانون والمغادرة، يُخرج هاتفه من جديد، لكن هذه المرة ليصوّر فيديو يتهمها فيه بإعاقة “العمل الإعلامي”.
هذا المشهد، بتفاصيله المتكررة في أكثر من مدرسة أو مؤسسة حكومية هذه الأيام، ليس حادثة معزولة. إنه عرَض لظاهرة أعمق تستحق اسماً: جمهورية النشطاء الموازية، التي تُدار بمنطق مختلف تماماً عن منطق الدولة التي يُفترض أننا جميعاً نبنيها.

من المشاركة في الثورة إلى الوصاية على الدولة
نعلم جميعا حجم التضحيات التي قدمت في سنوات النضال ضد الاستبداد، فمن الاعتقال للتهجير، لفقد الأحباب، وهذا ما يستحق التقدير والاحترام، لكن ثمة نقطة خطيرة تحصل هنا، وهو تحول الفضل في المشاركة الثورية إلى وصاية على مؤسسات الدولة، إلى تفويض مطلق للتدخل في العمل البيروقراطي في كل مفصل من مفاصل العمل الإداري الحكومي، وكأن المشاركة في إسقاط هذا النظام المجرم، تمنح صاحبها كرت اخضر في فعل ما يريد أو إدارة الدولة بغض النظر عن اختصاصه أو علمه أو حتى قانونية أفعاله.
أتذكر هنا مثالا قويا يمكننا أن نستخدمه لمناقشة هذه الفكرة، فخلال فترة الثورة، كان هناك الكثير من الممرضين الغيورين المناضلين الذين أداروا مشافي ميدانية وأجروا عمليات خطيرة لإنقاذ المصابين، في ظل عجزنا عن الوصول إلى المشافي الحقيقية المجهزة والكوادر الطبية المختصة، لكن اليوم، وبعد أن من الله علينا بإسقاط هذا المجرم، هل سنأخذ عزيزا علينا، والدا أو والدة أو طفلا من أطفالنا، حين تحدث معه حالة صحية طارئة، إلى هذا الممرض الذي كان في المشفى الميداني، أم إلى طبيب مختص ذو علم ودراية؟
هذا بالضبط ما يحدث حين يقتحم “ناشط” مدرسة ليُملي على مديرة متخصصة، أمضت سنوات دراسة جامعية في كلية التربية وسنوات أخرى من الخبرة الميدانية، كيف تدير صفاً أو تضع منهاجاً أو تختار موسيقى حصة رياضية. حين يُطالب “نشطاء” بفرض تفسير ديني واحد وضيق على حصة رياضة للأطفال، وكأن الموسيقى العالمية التي تتعلم بها أجيال العالم كله باتت “حراماً” بقرار شخصي منهم، فهم لا يمارسون نقداً مشروعاً، بل وصاية أيديولوجية على اختصاص ليس اختصاصهم، نيابة عن أهالٍ لم يُفوِّضوهم.

الثمن سيدفعه أطفالنا، لا النظام القديم ولا السلطة الجديدة

حين يأتي ناشط ما إلى مديرة مدرسة، ليقول لها لماذا استجوبت المعلمة الفلانية؟ (الاستجواب في العرف الإداري هو سؤال مكتوب عن تقصير أو مخالفة ما يقوم بها معلم\ة ما يوجه من المدير\ة للمعلم\ة بحضور ممثل نقابة المعلمين ويرد المعلم\ة على السؤال المكتوب بجواب مكتوب بنفس الورقة، ويوقع الجميع عليه، ويحفظ في السجلات)، فتقول له هذا عملي، وعندي إدارة، يمكنك أن تشتكي لمديرية التربية، فيخرج ليحرض فريقا من زملائه ويشنوا عليها حملة واتهموها بالتشبيح من خلال اختيار صور لها كانت فيها بأنشطة حزبية للبعث في وقت كان الجميع مجبر على المشاركة تحت طائلة الاختفاء تحت سابع أرض، مع العلم أن المديرة شقيقة شهيدة في الثورة، وهددت بالقتل بأسلوب غير مباشر، مما اضطرها لتقديم اعتذار عن الإدارة خوفا على حياتها.
حين تضطر هذه المديرة الكفوءة، لتقديم طلب إعفاء من منصبها، من الذي يخسر فعلياً؟ ليس “النظام”، وليست “السلطة”، بل الأطفال الذين فقدوا إدارة ملتزمة بتطبيق القانون حفاظاً على مصلحتهم. ومن سيخلفها في الموقع، أمام هذا المشهد، سيتعلم درساً واضحاً: كن ليّناً، تجاهل المخالفات، لا تُغضب أحداً، وإلا كان مصيرك كمصير سابقتك. هكذا تتحول الصرامة في تطبيق القانون، التي هي أصل حماية العملية التعليمية، إلى مخاطرة شخصية يتجنبها كل عاقل، فتتسيب المدارس لا بقرار من أحد، بل بفعل الخوف المتراكم.

حين يُستهدَف كادر تربوي بسبب صورة قديمة من عهد النظام البائد، مع تجاهل تام لأن آلاف الموظفين السوريين اضطروا وقتها لمشاركات شكلية لا خيار حقيقياً لهم فيها، وأن بعضهم كان هو نفسه ضحية ذلك النظام. المفارقة المؤلمة أن من يُعاد تدويرهم فعلياً في مواقع نفوذ حقيقية اليوم، من أصحاب القرار والتورط الفعلي بالدم، لا يجرؤ أحد من هؤلاء “النشطاء” على مواجهتهم، بينما تُستنزَف كل الشجاعة المزعومة على مديرة مدرسة أو موجّه تربوي أو حتى مديرة تربية لا حول لهما ولا قوة سوى الالتزام بعملهما.
حين تصمت المؤسسات التي يُفترض أن تحمي
لكن الإنصاف يقتضي ألا يقف النقد عند النشطاء وحدهم. فحين تُقبَل استقالة مديرة مهدَّدة بالقتل دون استنفاد بدائل أخف كالإجازة الإدارية مثلا، وحين لا تُقدَّم شكوى قانونية رسمية ضد من هدّد كادراً تربوياً بالقتل رغم أن هذا إجراء بيروقراطي بسيط لا يتطلب قدرات استثنائية، فإن وزارة التربية نفسها تتحمل جزءاً من المسؤولية، لا بوصفها عاجزة فحسب، بل بوصفها غير فاعلة في الحدود الدنيا التي تستطيع أن تتحرك فيها.
الأكثر خطورة في هذا المشهد هو صمت نقابة المعلمين، التي لم يُسمَع لها صوت واحد في أي من هذه الحوادث. فإذا كانت مديرية التربية جهة إدارية محدودة الصلاحيات، فإن النقابة وُجدت أصلاً لتكون خط الدفاع الأول عن كرامة المهنة واستقلاليتها أمام أي ضغط خارجي. وصمتها هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل سؤال مشروع: هل بنينا فعلا نقابات حقيقية خلال العامين الماضيين من سقوط الأسد، أم أنها لا تزال هياكل موروثة من حقبة النظام البائد، هياكل شكلية بلا فعالية حقيقية؟ هل تخشى قياداتها مواجهة النشطاء بنفس المنطق الذي جعل معلمينا يخشون الصرامة في تطبيق القانون؟ في جميع الحالات، فإن غياب النقابة عن الدفاع عن أبسط حقوق أعضائها فضيحة لا تقل خطورة عن فضيحة الاستهداف نفسه.

الديمقراطية ليست حكم من يصرخ أعلى

المفارقة الأعمق أن من يتصرف بمنطق “أنا شاركت في الثورة، فأنا مواطن درجة أولى وأنتم درجة ثانية يجب أن تطيعوا” يكرر، دون أن يدرك، بنية الاستبداد نفسها التي قامت الثورة أصلاً لإسقاطها: فرد أو فئة تضع نفسها فوق القانون والمؤسسات بحجة فضل أو تضحية مزعومة. الديمقراطية الحقيقية التي يُفترض أننا نبنيها اليوم لا تعني حكم من يملك أعلى صوت على فيسبوك أو أكثر الفيديوهات انتشاراً، بل حكم مؤسسات تخضع للقانون، ويُحاسَب فيها كل أحد عبر قنوات رسمية شفافة، لا عبر حملات تشهير وتهديد تُقرر من يبقى في منصبه ومن يُجبَر على الرحيل.

من يريد فعلاً خدمة سوريا الجديدة، عليه أن يوجّه طاقته نحو من يستحق المساءلة الحقيقية ممن أعيد تدويرهم في مواقع السلطة الفعلية، لا نحو معلمة التزمت بالقانون أو موجّه تربوي أمضى حياته في خدمة أطفال لا يعرف أحد منهم اسمه. أما استمرار استسهال استهداف الحلقة الأضعف فلن يُنتج عدالة، بل مزيداً من انهيار ما تبقى من مؤسسات نحتاجها جميعاً، نشطاء وموظفين وأهالي، لنبني عليها أي مستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى