عن الوفاء الإنساني وشعبوية الاغتيال المعنوي … زكي الدروبي

كان شاباً بسيطاً يملك أحلاماً عادية كأي شاب في تلك الأيام: العمل، الزواج، والاستقرار. لكن مع انطلاق الثورة السورية، ومشاركته فيها، ثم اعتقاله، خرج محملاً بأوجاع وحقد عميق على هذا النظام وزبانيته.
كانت أولى المعارك بين “المسلحين” و”عصابات النظام” في باب السباع، وكان حيّنا “باب الدريب” يشكل الخط الخلفي الذي يستريح فيه الثوار ويؤمنون المؤنة والإمداد. كنت أذهب إلى محيط شارع وادي باب السباع لنقل الأحداث لصديق وزميل في دمشق ليقوم بدورها بإيصالها إلى قناة الجزيرة. وكان الثوار المسلحون يرغبون ببعض الخصوصية لكشف وجوههم الملثمة والتنفس وشرب الماء، ففي تلك الأيام الأولى كنا لا نعرف بعضنا البعض والجميع يخشى كشف وجهه أمام الغرباء. أعطيتُ الهاتف لأبو أنس طيارة كي ينقل هو الحدث بنفسه، بعد أن أخبرتُ الصديق -الدرزي المقيم في دمشق- بأن شاباً من الخطوط الأمامية سيتحدث إليه، وذلك صوناً لخصوصية الثوار.

فيما بعد، اتفقتُ مع أبو أنس – بعد احتلال المريجة وباب السباع من قوات النظام، وعجزنا عن إطلاق المظاهرات هناك – أن نطلق المظاهرات من مسجد الحنابلة في باب الدريب. وفعلاً تم ذلك، وكان أبو أنس أحد الهتافين الرئيسيين في حينا (تحت المئذنتين). ثم قمتُ ببعض التحالفات مع الأحياء المحيطة حتى أصبحت حمص القديمة كلها يداً واحدة، ننطلق من عدة مساجد لنلتقي في نقطة محددة، ونرسم على الورق مسارات المظاهرات وتوقيتاتها، لتسلم واحدة تلو الأخرى الراية لأبو عبدو البشير عند الوصول.

اختلفتُ مع أبو أنس عدة مرات في الأفكار أثناء تلك المحطات، لكن المحبة والاحترام بقيا فوق أي خلاف. لم تخرج منه كلمة واحدة خاطئة بحقي، بل كنتُ أنا في بعض الأحيان من يغضب ويصرخ بوجهه. وكان آخرها العام الماضي حين أصيبت الصديقة ورفيقة الثورة عتاب شاهين برصاصة غادرة من مجهول، فاتصلتُ به وأنا في قمة الغضب والانفعال، فقام بتهدئتي ووعدني بأن يقوم بواجبه كاملاً مع ابنة الثورة.

هذه الذكريات الأصيلة من بداية الثورة وحتى اليوم كانت أعمق بكثير من الخلاف الأيديولوجي والسياسي بيننا. ورغم قلة التواصل لاحقاً، فإن رصيد المحبة والاحترام ظلّ ثابتاً فوق الاختلاف.
بين القضاء ومحاكم التفتيش في السوشيال ميديا: اليوم يخضع أبو أنس لتحقيق “إداري ومالي” حول شبهات وأخطاء حصلت أثناء عمله. والقول الفصل في هذا الملف هو للقضاء العادل وليس لمنصات التواصل الاجتماعي، والحكم الذي سيصدر عن القضاء سنحترمه أياً كان.

لكن “التغول الشعبوي” و”الاغتيال المعنوي” الذي استهدف أبو أنس على منصات التواصل، هو تكرار لمرض مستشرٍ يستهدف أي شخص بمجرد توجيه اتهام له أو نشوب خلاف معه.

أنا نفسي طالني من التهم والشتائم الكثير بسبب الرأي؛ أكتب مقالاً أو منشوراً، فلا يعجب أحدهم، وبدلاً من مناقشة الفكرة، يتجه فوراً لاستهدافي شخصياً بالشتائم والتشهير. وهو أمر شارك فيه حتى بعض رفاق البدايات مثل عمر التلاوي، الذي شتمني مراراً على صفحته، وكنتُ في كل مرة أقول للمحيطين بي: “معلش، يجب أن نستوعبه، فهو شاب يفتقر لأدنى المقومات العلمية والمعرفية، يحفظ بضع كلمات ويرددها غيباً دون أن يفهم أبعاد ما يقول”.

ما رأيناه من تحول صفحات التواصل سريعاً إلى “محاكم تفتيش”، تُلفق الأكاذيب وتتحدث عن “ضبط عشرات الكيلوغرامات من الذهب والاستيلاء على العقارات” في منزل أبو أنس دون أدنى إثبات رسمي، هو محاولة لتضخيم القضية وشيطنة الشخص وإرضاء نزعات التشفي لدى الخصوم، تماماً كما يفعل الشبيحة ومؤيدو السلطة الذين يمارسون الاغتيال المعنوي ضد كل من يختلف معهم.

ما رأيناه من تحول صفحات التواصل الاجتماعي سريعاً إلى “محاكم تفتيش”، تُلفق الأكاذيب وتتحدث عن “ضبط عشرات الكيلوغرامات من الذهب والاستيلاء على العقارات” في منزل أبو أنس دون أدنى إثبات رسمي، هو محاولة لتضخيم القضية وشيطنة الشخص وإرضاء نزعات التشفي لدى خصومه، مثلهم مثل الكثير من مؤيدي السلطة الحالية، الذين يشتمون ويغتالون معنويا من يختلف معهم.

خنجر في ظهر الثورة والدولة: هذه الظاهرة ليست جديدة، بل كانت خنجراً مسموماً يُغرس في ظهرنا لمجرد الاختلاف في الرأي. وقد كتب عني عمر سابقاً بأنني “هارب من أرض الجهاد أعيش في فنادق خمس نجوم”، فقط لأنني انتقدتُ المحيسني وطالبتُ بخروج جميع الغرباء من سوريا، سواء أكانوا روساً أم إيرانيين أم حزب الله أم مجاهدين أجانب.

لكنها اليوم تفاقمت اليوم لتستهدف أي شخص لا يداهن المزاج العام، فبالأمس القريب تعرضت مديرة مدرسة “الاستقلال” لتهديدات بالقتل، وتحريض سافر لمجرد أنها تمسكت بالنظام الإداري، ورفضت تدخل أحد الناشطين في شؤون مدرستها، وطالبته بتقديم شكواه لمديرية التربية. ورأينا الناشط نفسه ينقلب 180 درجة ليمتدح مديرة مدرسة أخرى “النهضة” لا لشيء إلا لأنها داهنت غروره الشخصي.

وأعتقد أن هذه المزاجية والتجييش الشخصي، هما أبعد ما يكونان عن قيم الثورة وأخلاقها، لأن الاختلاف السياسي أو الفصائلي لا يبرر الفجور في الخصومة. يمكنك أن تختلف مع شخص في خياره السياسي حتى أقصى حد، لكن هذا لا يعطيك الحق في اغتياله معنوياً وتلفيق الشائعات بحقه.
كما أن المحاكمة مكانها القضاء وليس الفيسبوك، فالتهم تُحسم بالأدلة والأرقام أمام لجان التحقيق والقضاء، لا عبر “اللايفات” والبث المباشر للشغوفين بركوب الموجة وتصفية الحسابات.

وأرى أن تسليم إدارة الشأن العام والتقييم للجمهور الشعبوي أو لـ “غضب الناشطين” سيدمّر الدولة والمؤسسات، ويجعل التكنوقراط والكوادر الخدمية عرضة للابتزاز الدائم.

سيبقى أبو أنس طيارة صديقاً ورفيق بداية الطريق، له محبتنا وإنسانيتنا، وللملفات القضائية أصولها وأدلتها. أما طغيان “الاغتيال المعنوي” والتشهير، فهو مرض اجتماعي وسياسي يجب أن نقف بوجهه جميعاً، لنحمي ما تبقى من أخلاق الخصومة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى