التحولات السكانية والسياسية في سورية منذ عام 1960

شهدت سورية منذ ستينيات القرن الماضي تغيرًا ديموغرافيًا كبيرًا. ففي عام 1960، بلغ عدد سكان البلاد نحو 4.5 ملايين نسمة، وكان معظمهم من المسلمين السنّة، الذين شكّلوا نحو 78% من السكان. وبلغت نسبة العلويين نحو 9%، والدروز نحو 1%، والمسيحيون نحو 5%.

في عهد حافظ الأسد، الذي وصل إلى السلطة عام 1970 ( اغتصب السلطة )، ثم في عهد ابنه بشار منذ عام 2000، تضاعف عدد السكان بشكل كبير، ليتجاوز 22 مليون نسمة قبل اندلاع الحرب عام 2011. وفي الوقت نفسه، احتل العلويون، رغم كونهم أقلية، مكانة بارزة في الجيش وأجهزة الأمن ودوائر السلطة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن جميع العلويين كانوا يؤيدون النظام.

غيّرت الحرب التي بدأت عام 2011 هذا الوضع تغييرًا عميقًا. فالمعارك والنزوح وخروج ملايين السوريين من البلاد أعادت رسم التوزيع الديموغرافي. قبل الحرب، كان السنّة يُقدَّرون عمومًا بنحو 74 إلى 78% من السكان. وبعدها، تضعهم بعض التقديرات عند نحو 68.5%، في حين تُقدَّر نسبة العلويين أحيانًا بما يصل إلى 15%. لكن هذه الأرقام تبقى تقديرات، وليست نتائج إحصاء سكاني طائفي جديد.

اتخذت الحرب أيضًا بُعدًا دوليًا وطائفيًا. اعتمد بشار الأسد على حليفه الإيراني، الذي أرسل أو نظّم قوات مقاتلة لدعم نظامه. وشارك في القتال إلى جانب القوات الحكومية مقاتلون شيعة قدموا من لبنان، ومن العراق وأفغانستان، إضافة إلى ميليشيات شيعية سورية. وهكذا قاتلت قوات شيعية إلى جانب نظام كانت نواته العسكرية والسياسية ذات غالبية علوية. وكان الشيعة يُقدَّرون بنحو 1% من السكان قبل الحرب، وكذلك الإسماعيليون بنجو 1%.

في المقابل، كان الأكراد السوريون طرفًا رئيسيًا آخر، ويُقدَّرون بنحو 10% من السكان. سيطرت قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي تهيمن عليها القوات الكردية، على جزء كبير من شمال البلاد وشمال شرقها، وقاتلت إلى جانب النظام السابق.

أما الدروز، الذين شكّلوا تاريخيًا نحو 1% من السكان، فلا يزالون يتركزون أساسًا في الجنوب، ولا سيما في السويداء. وبعد الحرب، تُقدَّر نسبتهم بنحو 3%. وقد يعود ذلك إلى عوامل ثقافية ودينية، إذ يحافظ المجتمع الدرزي على تماسك داخلي قوي ولا يختلط كثيرًا بالمجموعات الأخرى، خاصة عبر الزواج.

أما المسيحيون، الذين كانوا نحو 5% من السكان قبل الحرب، فتضعهم بعض التقديرات اليوم عند حدود 8%.

وفي ما يزيد قليلًا على ستة عقود، انتقلت سورية من نحو 4.5 ملايين نسمة إلى أكثر من 25 مليونًا. ولم يتغيّر العدد فحسب، بل تغيّرت التركيبة والتوزيع الجغرافي أيضًا، بفعل التحولات السياسية والاجتماعية، ثم بفعل الحرب وما رافقها من نزوح وهجرة واسعة. واليوم تقف سورية أمام مرحلة جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة.

وقد تتيح هذه المرحلة للأغلبية السنّية أن تستعيد حضورها الطبيعي في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وأن تعرف نوعًا من النهضة والازدهار، مع الحفاظ على مكانة جميع مكوّنات المجتمع السوري وحقها في العيش المشترك. ويبقى المستقبل مفتوحًا أمام السوريين لإعادة بناء وطنهم على أساس الاستقرار والتعايش والمشاركة.

 

 

 

آية السليمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى