
حين يصبح السوريون “قطيعاً” ويصبح الاعتراض “هجوماً بربرياً” … مرهف مينو
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب والقتل والتهجير، يفترض أن تكون كرامة السوريين وحساسية الخطاب العام من أولويات كل مسؤول ، لا سيما المسؤولين الذين يشغلون مواقع عامة ويمثّلون مؤسسات الدولة أمام المجتمع.
تصريحات متتالية أعادت طرح سؤال مؤلم : كيف ينظر بعض المسؤولين إلى السوريين وإلى حقهم في الاعتراض؟
ففي أواخر أيلول/سبتمبر، أثار الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي موجة غضب واسعة بعد قوله إن “الشعب السوري ينقاد كالقطيع خلف فيسبوك” ، وذلك في معرض رده على انتقادات طالت أداء الشركة وعقوداً مرتبطة بقطاع النفط.
ورغم أن قبلاوي عاد واعتذر، مؤكداً أن العبارة خرجت منه بصورة غير مقصودة ولا تعبّر عنه ، فإن الاعتذار لا يلغي دلالة العبارة ولا يلغي حقيقة أنها صدرت عن مسؤول يفترض أن يخاطب مواطنين انهكهم التهجير والفساد ، لا أن يصفهم بلغة تنتقص من وعيهم وكرامتهم.
وبعد أيام جاءت كلمات آخرى من نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور في سياق دفاعه عن تعيين وسام كنعان مستشاراً إعلامياً لنقابة الفنانين. فقد وصف الناطور الانتقادات الموجهة إلى القرار بأنها “هجوم بربري” على كنعان وعلى النقابة.
هنا تكمن المفارقة : في الحالة الأولى جرى اختزال السوريين في صورة “قطيع” يساق خلف وسائل التواصل وفي الحالة الثانية ، جرى نزع الشرعية عن اعتراضات مواطنين وناشطين عبر وصفها بأنها “بربرية”. صحيح أن الناطور لم يقل ، وفق النص المنشور، إن السوريين “برابرة” حرفياً بل وصف الهجوم والانتقادات بهذه الصفة ، لكن استخدام هذا التعبير في مواجهة اعتراض عام يؤدي عملياً إلى احتقار أصحاب الرأي ورفع المطرقة عليهم وتصويرهم كجماعة غوغائية لا تستحق النقاش.
المشكلة هنا لا تتعلق بكلمتين عابرتين فحسب بل بثقافة سياسية وإدارية أوسع مسؤول يواجه النقد بتصنيف الناس ، ومسؤول آخر يواجه الأسئلة المشروعة بالتخوين أو التحقير. وفي الحالتين يجري التعامل مع المواطن بوصفه “مشكلة ينبغي إسكاتها” لا شريكاً يملك حق السؤال والمحاسبة.
كان من حق السوريين أن يسألوا عن ملابسات تعيين كنعان ، وعن خلفيته الإعلامية ، وعن المعايير التي اعتمدتها النقابة في اختياره. وليس من حق أي مسؤول أن يحوّل هذا السؤال إلى “هجوم بربري” ، كما ليس من المقبول أن تُختصر آراء المواطنين في كونهم “قطيعاً” تحركه الميديا.
أما الحديث عن التسامح والعدالة الانتقالية ، الذي استند إليه الناطور في دفاعه عن كنعان فهو نقاش ضروري وحساس لا يعني إسقاط حق المجتمع في التدقيق والمساءلة. التسامح لا يساوي النسيان وتضميد الجراح لا يعني إهانة الضحايا أو إسكات الأسئلة ، والعدالة الانتقالية لا تقوم على التبرير الجماعي ولا على منح المناصب بلا شفافية.
إن الدفاع عن أي شخصية عامة ينبغي أن يستند إلى معلومات وأدلة واضحة ، لا إلى اتهام منتقديها. وإذا كان لدى النقابة ما يثبت تعرض كنعان للخطف أو الإكراه أو امتلاكه سجلاً وطنياً يبرر تعيينه ، فالأجدى نشر هذه المعطيات أمام الرأي العام بدلاً من الاكتفاء بخطاب يهاجم المعترضين.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً كي يستعيدوا “حقهم في الكلام”. لذلك فإن المطلوب من مسؤولي المرحلة الجديدة ليس تكرار لغة السلطة القديمة بل بناء علاقة مختلفة عن تحويل الخلاف إلى إهانة جماعية.
سيد قبلاوي لسنا قطيعاً، سيد مازن …. ولا برابرة.
بالتزامن مع جريدة أحوال


