
الساحل السوري: نقطة ارتكاز جديدة للترتيبات الدولية بعد تحولات الشمال الشرقي
بعد استعادة السلطات السورية السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق شمال شرق البلاد، تحولت الأنظار الإقليمية والدولية بشكل لافت نحو منطقة الساحل السوري، التي باتت تشكل ساحة جديدة لصياغة ترتيبات جيوسياسية واقتصادية معقدة. هذه الترتيبات تعكس المصالح المتضاربة للقوى الكبرى، وتضع سوريا في قلب معادلات إقليمية ودولية متغيرة.
الغاز السوري: ورقة أمريكية رابحة في المتوسط
في تطور لافت، وقعت السلطات السورية في الرابع من فبراير 2026 مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” الأمريكية و“يو سي سي القابضة” القطرية، بالتعاون مع الشركة السورية للنفط، لتقييم التنقيب عن النفط والغاز واستكشافهما في المياه الإقليمية السورية بالبحر الأبيض المتوسط . يهدف هذا الاتفاق المبدئي إلى إنشاء أول حقل بحري سوري، وربط الحقول البحرية السورية بالمنظومة المتوسطية للإمداد، في مسار استراتيجي طويل الأمد تقوده واشنطن. هذا التحرك الأمريكي يشير إلى تراجع النفوذ الروسي في هذا الملف، حيث كانت موسكو تفضل بقاء الغاز السوري مدفوناً لتجنب منافسة غازها الموجه لأوروبا.
روسيا: الحفاظ على الوجود العسكري بعد تراجع النفوذ
تزامنت هذه التطورات مع زيارة مفاجئة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في الثامن والعشرين من يناير 2026، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين . ورغم أن الزيارة تناولت جهود استعادة وحدة الأراضي السورية، إلا أنها جاءت في سياق تراجع النفوذ الروسي التاريخي في سوريا. تسعى روسيا، بعد خسارتها لجزء من سيطرتها على القرارات السورية المتعلقة بالغاز، إلى الحفاظ على وجودها العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس لضمان إطلالتها الوحيدة على المياه الدافئة، وإن كان ذلك بشروط أكثر مراعاة للسيادة السورية من السابق.
الموانئ: بوابة سوريا الاقتصادية الجديدة
على الصعيد الاقتصادي، شهدت إدارة الموانئ السورية تحولات مهمة. فقد بدأت مجموعة “موانئ دبي العالمية” (DP World) تشغيل ميناء طرطوس رسمياً في نوفمبر 2025، بموجب اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً، باستثمار قدره 800 مليون دولار، مع ضمان حصة للسلطات السورية بنسبة 45% من الإيرادات . كما تستمر شركة فرنسية في تشغيل ميناء اللاذقية بموافقة السلطات السورية. هذه الترتيبات تعزز الربط الاقتصادي السوري بالمنظومة الدولية والممرات التجارية الجديدة، وتؤكد على انتقال مركز الثقل في ساحل بلاد الشام إلى هذين الميناءين.
أوروبا وإيران: مصالح متضاربة وخسائر استراتيجية
ورغم تحقيق الدول الأوروبية لوجود اقتصادي في الساحل السوري، إلا أنها أبدت مرارة كبيرة حيال الترتيبات الجديدة. فقد فشلت مساعيها لإنهاء الوجود العسكري الروسي الذي يمثل رافعة لنفوذ الكرملين في مناطق أخرى، وشعرت بالتهميش بعد استئثار واشنطن بـ”الجائزة السورية”، خاصة بعد إضعاف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي كانت محور استراتيجيتها في شمال شرق سوريا .
في المقابل، تُعد إيران أبرز المتضررين من هذه الترتيبات، حيث تقلص فرص طهران للعودة إلى الساحل، وقد يؤدي ضخ الغاز السوري إلى السوق العالمي إلى خسارة مواردها الغازية لمزاياها التنافسية.
الحدود اللبنانية: تحديات أمنية متواصلة
يظل الترابط الأمني بين الساحل السوري والحدود اللبنانية تحدياً قائماً. فالجهود المبذولة بشأن منطقة الساحل تلحظ في الوقت عينه سبل تأمين الحدود السورية-اللبنانية وقطع الصلات بين المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة السورية في الساحل وبعض الجهات في لبنان، وإبعاد أي مصادر تهديد عن المناطق السورية المطلة على المتوسط.
وفي الختام، فإن الساحل السوري يشهد حالياً صياغة ترتيبات داخلية سياسية وأمنية متناغمة مع الترتيبات الدولية، بهدف توفير حالة أمنية مستدامة لإطلاق عملية البحث عن الغاز. هذه التطورات تشير إلى مرحلة جديدة من التفاعلات الجيوسياسية التي ستعيد تشكيل المشهد السوري والإقليمي.
مصدر



