من المطار إلى السجن … كيف تحول خطأ سفارة إلى تهمة بحق طبيب سوري

في قصة تثير كثيراً من الأسئلة، نشر الطبيب السوري الكندي خالد حمود شهادة صادمة على صفحته في فيسبوك، روى فيها كيف تحولت زيارته الأولى إلى سوريا منذ عام 2011 إلى رحلة إذلال، انتهت به داخل نظارة القصر العدلي، ليس لأنه ارتكب جريمة، بل بسبب خطأ إداري ارتكبته مؤسسة رسمية قبل سنوات.

وبحسب روايته، دخل الرجل إلى سوريا بصورة قانونية، حاملاً جواز سفر كندياً، فيما كان جواز سفر ابنه قد صدر عام 2015 عن السفارة السورية في البحرين بشكل رسمي، واستُخدم سنوات طويلة في السفر دون أن تعترض عليه أي جهة. لكن هذا الجواز نفسه تحول فجأة إلى ملف يحمل شبهة “تزوير”، وكأن الدولة اكتشفت، بعد عشر سنوات، أنها تشكك في وثيقة هي نفسها من أصدرتها.

الصدمة الأكبر لم تكن في وجود الخطأ، بل في طريقة التعامل معه.

فبدلاً من الاعتراف بأن الخلل وقع داخل مؤسسة رسمية، جرى تحميل الأب والطفل مسؤولية ما حدث، وأُرسل الرجل بين الدوائر الحكومية، قبل أن يُقتاد مكبل اليدين إلى القصر العدلي، ويُزج به داخل زنزانة مكتظة بالموقوفين، وكأنه مجرم خطير، فقط لأنه طالب بتصحيح خطأ لم يرتكبه.

وتكشف الرواية، كما نشرها صاحبها، عن استمرار عقلية بيروقراطية متجذرة، لا تزال تتعامل مع المواطن بمنطق الشبهة والإدانة المسبقة، وهي العقلية ذاتها التي اشتكى منها السوريون لعقود طويلة.

والأخطر من ذلك، بحسب ما ورد في الشهادة، أن عدداً من الموظفين الذين أداروا الملف هم من العاملين القدامى الذين ما زالوا يديرون الملفات بالعقلية ذاتها التي كانت سائدة في عهد النظام السابق، حيث تتحول المعاملة البسيطة إلى سلسلة من التعقيدات، ويتحول المواطن إلى متهم حتى يثبت العكس.

إن كانت رواية الطبيب صحيحة، فإن القضية لا تتعلق بجواز سفر طفل، بل بمنظومة كاملة ما زالت عاجزة عن الاعتراف بأخطائها، وتفضل إلقاء المسؤولية على المواطن بدلاً من محاسبة الجهة التي أصدرت الوثائق المخالفة.

كيف يمكن لدولة أن تصدر جواز سفر رسمياً، ثم بعد سنوات تعتبر حامله مشتبهاً به؟

وكيف يمكن لمواطن عاد إلى بلده طوعاً، يحمل وثائق رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة، أن ينتهي به المطاف في زنزانة احتجاز بسبب خطأ لم يكن له أي دور فيه؟

إن إعادة بناء المؤسسات لا تكون بترميم الأبنية أو تغيير الشعارات، بل باجتثاث العقليات التي ما زالت ترى في المواطن خصماً لا صاحب حق.

فإذا بقيت ممارسات الماضي تحكم الحاضر، فلن يغامر كثير من السوريين بالعودة، لأن الخوف لن يكون من الحرب، بل من مؤسسة يفترض أنها وجدت لحمايتهم.

ويبقى السؤال الأهم: من يحاسب الموظف أو المؤسسة عندما يكون الخطأ صادراً عنها؟ أم أن المواطن سيظل الحلقة الأضعف، يدفع ثمن أخطاء الدولة، بينما يبقى المسؤول الحقيقي بمنأى عن أي مساءلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى