
أجنحة “الهارب” في سماء الفساد : “فلاي شام”.. إمبراطورية التحايل الجوي تُمعن في إذلال المسافرين
أجنحة الشام.. عقوبات لا يمحوها تغيير الاسم
من نقل المقاتلين والمرتزقة إلى مسارات الهجرة وغسل الأموال: سجلّ ثقيل يلاحق شركة الطيران السورية
لم تعد شركة “أجنحة الشام” تواجه مجرد انتقادات سياسية أو حملات تشهير عابرة. فالشركة تحمل سجلًا طويلًا من العقوبات والاتهامات المرتبطة بنقل مقاتلين ومرتزقة، ودعم أجهزة تابعة للنظام السوري، وتسهيل مسارات للهجرة غير النظامية، وسط شبهات متزايدة حول إعادة تموضعها التجاري والقانوني تحت أسماء وواجهات جديدة.
وفي أقوى تطور قضائي يطاولها، رفضت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في 24 سبتمبر/أيلول 2025 دعوى رفعتها الشركة ضد استمرار العقوبات، وأكدت أن الأسباب التي استند إليها الاتحاد الأوروبي في إدراجها كانت مثبتة بالمستوى القانوني المطلوب.
.
إدراج أميركي بسبب دعم نظام الهارب ونقل المقاتلين
في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي “أجنحة الشام” على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 13582، معتبرًا أنها قدمت دعمًا ماديًا أو ماليًا أو تقنيًا لحكومة سوريا وشركة الطيران العربية السورية.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن الشركة تعاونت مع مسؤولين في الحكومة السورية لنقل مقاتلين إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام، كما ساعدت المخابرات العسكرية السورية في نقل أسلحة ومعدات، عبر صلات بينها وبين شركة “فلاي داماس”. وأضاف البيان الأميركي أن خط دمشق–دبي كان من المسارات الرئيسية التي استخدمتها المخابرات العسكرية السورية لغسل الأموال في المنطقة، مع دفع مبالغ للأطراف التي واصلت التعامل مع النظام.
وبذلك لم يكن سبب العقوبة خلافًا إداريًا أو تجاريًا، بل اتهامًا رسميًا باستخدام شركة طيران مدنية في خدمة منظومة عسكرية وأمنية مرتبطة بحكومة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
.
بيلاروسيا.. طائرات في خدمة أزمة المهاجرين
عاد اسم “أجنحة الشام” إلى الواجهة الأوروبية في خريف عام 2021، عندما اتُهمت الشركة بالمشاركة في نقل مهاجرين وطالبي لجوء من دمشق إلى مينسك، في سياق الأزمة التي شهدتها الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي.
ووفق تقارير حقوقية واستقصائية، زادت الشركة رحلاتها بين دمشق ومينسك منذ صيف 2021، وافتتحت مكتبين في العاصمة البيلاروسية لتنظيم تلك الرحلات. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليها، معتبرًا أن شركات الطيران المشاركة ساعدت في نقل مهاجرين إلى بيلاروسيا بهدف الوصول بصورة غير نظامية إلى الحدود الأوروبية.
وقالت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إن الشركة أعلنت تعليق رحلاتها إلى بيلاروسيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، متذرعة بما وصفته بالوضع الحرج على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا. غير أن تعليق الرحلات لم يلغِ الأسئلة المتعلقة بالدور الذي لعبته الشركة في المسار السابق، ولا الملابسات التي أحاطت بفتح مكاتبها في مينسك وزيادة الرحلات خلال فترة تصاعد الأزمة.
وفي يوليو/تموز 2022، رفع الاتحاد الأوروبي الشركة من قائمة العقوبات المرتبطة ببيلاروسيا. لكن هذا القرار لم يكن حكمًا ببراءة الشركة من الوقائع السابقة، ولم يمنحها تلقائيًا حق الهبوط في المطارات الأوروبية. ووفق الشرح المنشور آنذاك، جاء الرفع ضمن آلية مراجعة تهدف إلى تغيير سلوك الكيانات المدرجة.
.
إعادة الإدراج الأوروبي.. اتهامات أخطر
في 22 يناير/كانون الثاني 2024، أعاد الاتحاد الأوروبي إدراج “أجنحة الشام” ضمن نظام العقوبات الخاص بسوريا. وشملت التدابير تجميد الأصول وحظر توفير الأموال أو الموارد الاقتصادية للشركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وجاءت الصياغة الأوروبية أكثر خطورة من مجرد اتهام الشركة بدعم النظام السوري. فقد ذكر مجلس الاتحاد الأوروبي أن بعض الكيانات المدرجة متورطة في نقل مرتزقة سوريين، وتجارة السلاح، وتهريب المخدرات، وغسل الأموال، بما يدعم نشاط النظام.
أما النص القانوني الأوروبي فذكر أن “أجنحة الشام” تستخدم رحلاتها في نقل مرتزقة سوريين، وتجارة الأسلحة، وتهريب المخدرات، وغسل الأموال، وأنها بذلك تدعم نشاط النظام السوري وتستفيد منه. كما أشار إلى ملكية الشركة لمحمد عصام شمّوط، وربطها بوكالة “فريبيرد” التي وصفها بأنها وكيلها الرئيسي.
.
المحكمة الأوروبية تحسم الجدل
طعنت الشركة أمام المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في استمرار إدراجها، ودافعت عن ابتعادها عن النظام السوري، كما شككت في الأدلة التي اعتمد عليها مجلس الاتحاد الأوروبي.
لكن المحكمة رفضت الدعوى بالكامل، وأمرت الشركة بتحمل التكاليف. وخلص الحكم إلى أن مجلس الاتحاد الأوروبي لم يخطئ عندما وجد أن “أجنحة الشام” استخدمت رحلاتها في نقل مرتزقة سوريين، وتجارة أسلحة، وتهريب مخدرات، وغسل أموال، وأن هذه الأنشطة تكشف دعمها للنظام السوري.
ورفضت المحكمة كذلك حجة الشركة بأن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 أفرغ العقوبات من غايتها. وأكدت أن قانونية التدابير تُقاس وفق الوقائع والقانون القائمين وقت اتخاذها، لا وفق تطورات سياسية لاحقة.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في ملف الشركة: الاتهامات لم تبقَ حبيسة بيانات سياسية أو تقارير صحفية، بل أيدت محكمة أوروبية الأساس القانوني الذي بُني عليه استمرار إدراجها.
.
ليبيا والمرتزقة.. مسار آخر في سجل الشركة
لم تقتصر الانتقادات على سوريا وبيلاروسيا. فقد نقلت منصة “أريج” عن وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الليبية اتهامها الشركة، في مارس/آذار 2020، بنقل مقاتلين سوريين مرتبطين بمجموعة فاغنر إلى شرق ليبيا.
كما تحدث تحقيق استقصائي نشرته “أريج” عن شبكات تهريب ووكالات سفر استغلت سوريين راغبين في الوصول إلى أوروبا، ونقلتهم إلى ليبيا على متن رحلات “أجنحة الشام”، بالتعاون مع هيئة الاستثمار العسكري التابعة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.
وفي يناير/كانون الثاني 2021، انتقدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان استخدام منظمة الصحة العالمية طائرات “أجنحة الشام” لنقل مستلزمات طبية من دبي إلى بنغازي. وقالت الشبكة إن التعامل مع الشركة يمنحها دعمًا ماليًا ولوجستيًا، وربطت بين الشركة ونقل متعاقدين ومرتزقة روس إلى دمشق واللاذقية، فضلًا عن نقل مقاتلين سوريين إلى ليبيا.
وتبقى هذه الاتهامات منسوبة إلى جهات حقوقية وتقارير صحفية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين حكم جنائي. لكنها تكتسب وزنًا إضافيًا عند وضعها إلى جانب العقوبات الأميركية والأوروبية والحكم القضائي الصادر عن محكمة الاتحاد الأوروبي.
.
“فلاي شام”.. إعادة تموضع أم التفاف؟
في 28 يوليو/تموز 2025، نشر موقع “سراج” تحقيقًا تحدث عن “استحواذ هادئ” على شركة “أجنحة الشام”، وعن انتقالها أو إعادة تموضعها تحت اسم “فلاي شام” وبواجهات وملكية جديدة.
وقال التحقيق إن الشركة تحاول محو صورتها القديمة عبر إنشاء كيانات متعددة، وإلغاء شركات قديمة، والدخول في شركات وواجهات مختلفة، بما يجعل التحقق من تنفيذ العقوبات أصعب. وإذا ثبتت الصلة القانونية والمالية والتشغيلية بين الكيان القديم والاسم الجديد، فإن ما يبدو تغييرًا تجاريًا قد يتحول إلى نموذج للالتفاف على العقوبات وإعادة تدوير الأصول والسمعة.
لكن إثبات هذه النقطة يتطلب وثائق واضحة: سجلات الملكية، وأسماء المستفيدين الحقيقيين، وعقود الاستحواذ، وبيانات تسجيل الطائرات، وحسابات الشركات، وعلاقات الوكالة والإدارة. فمجرد تشابه الاسم أو استمرار بعض الأصول لا يكفي وحده لإثبات الالتفاف.
مع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الجهات الرقابية واضح: من يملك الشركة فعليًا؟ من يسيطر على الرحلات والعقود؟ من ينتفع من الإيرادات؟ وهل انتقلت البنية القديمة إلى واجهات جديدة خارج سوريا لتجاوز تجميد الأصول والحظر على تقديم الموارد الاقتصادية؟
.
رفع العقوبات الأميركية لا يعني البراءة
في 30 يونيو/حزيران 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إنهاء برنامج العقوبات الشامل على سوريا اعتبارًا من الأول من يوليو/تموز، مع نقل بعض الإجراءات إلى برنامج جديد لمساءلة بشار الأسد وداعميه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار الكبتاغون وغيرهم.
لكن الوزارة أوضحت في البيان نفسه أن التحقيقات أو إجراءات الإنفاذ المتعلقة بانتهاكات وقعت قبل الأول من يوليو/تموز 2025 يمكن أن تستمر.
وعليه، فإن رفع برنامج عقوبات عام لا يمحو الوقائع التي استندت إليها العقوبات السابقة، ولا يساوي شهادة براءة للشركة. فالعقوبة قد تُرفع لأسباب سياسية أو قانونية أو بسبب تغير النظام المعاقَب عليه، لكن ذلك لا يلغي ما قيل عن أنشطة الشركة خلال السنوات التي سبقت الرفع.
تواجه “أجنحة الشام” سجلًا لا يمكن اختزاله في عبارة “شركة طيران تعرضت لعقوبات ثم رُفعت عنها”. فمنذ عام 2016، ظهرت في بيانات رسمية وتقارير حقوقية وتحقيقات استقصائية باعتبارها كيانًا متداخلًا مع شبكات النظام السوري، ونقل المقاتلين والمرتزقة، ومسارات الهجرة غير النظامية، والمال غير المشروع.
والأهم أن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي رفضت طعن الشركة، واعتبرت أن أسباب إدراجها المتعلقة بنقل المرتزقة وتجارة السلاح وتهريب المخدرات وغسل الأموال ودعم النظام السوري مثبتة بالقدر القانوني المطلوب.
أما الانتقال المحتمل إلى اسم “فلاي شام”، فلا ينبغي التعامل معه كولادة جديدة ما لم تُكشف الملكية الفعلية والسيطرة والمستفيدون الحقيقيون. فالاسم التجاري يمكن تغييره في يوم واحد، لكن المسؤولية لا تتغير بمجرد تغيير اللافتة.
مصدر



