بوليفارد حمص البراق.. أبراج للنخبة وحقوق المتضررين عالقة في دهاليز البيروقراطية! … عبد الرحمن العكام

لا يمكن لأي متابع للشأن العمراني في مدينة حمص أن ينكر الأثر الإيجابي والتطويري الواضح لمشروع «البوليفارد» الجديد؛ فهو يمثل خطوة نوعية لنقل المدينة إلى مصاف المدن الحديثة، من خلال خدمات متطورة، وبنية تحتية حديثة، وأبراج تعكس وجهاً عمرانياً متطوراً للمدينة. كما يفتح المشروع آفاقاً استثمارية واسعة، ويشكل متنفساً حيوياً يمكن أن تستفيد منه الشرائح القادرة على مواكبة كلفته الاستثمارية المرتفعة.

لكن خلف هذا المشهد العمراني البراق، يقف أبناء مدينة حمص من أصحاب المناطق المتضررة أمام تناقض صارخ في التعامل مع حقوقهم. ففي الوقت الذي تبدو فيه الإجراءات أكثر مرونة أمام المستثمرين في مشروع البوليفارد، يواجه المواطن البسيط والمالك الأصلي تعقيدات بيروقراطية وإدارية تعرقل استعادة أبسط حقوقه في السكن وإعادة الإعمار.

وتبرز منطقة وادي السايح مثالاً صارخاً على هذه المعاناة. فقد كانت المنطقة تضم عدداً كبيراً من الأبراج السكنية والتجارية القائمة، والتي تعرضت لأضرار متفاوتة نتيجة الحرب التي شنها النظام السابق على الشعب السوري.

وبحسب أصحاب العقارات، كانت العديد من هذه الأبنية قابلة للتدعيم والإصلاح والترميم، إلا أن بلدية حمص، وبحسب روايتهم، أقدمت على هدم عدد من الأبراج بالكامل باستخدام آلياتها الثقيلة، قبل تحرير المنطقة من النظام السابق بنحو شهرين، الأمر الذي حرم أصحابها من إمكانية الاستفادة منها وإعادة تأهيلها.

ويرى أصحاب هذه العقارات أن عمليات الهدم لم تكن ضرورية في بعض الحالات، وأنها ألحقت أضراراً إضافية بعائلات كانت تنتظر العودة إلى منازلها واستعادة ممتلكاتها.

ومن بين الحالات التي يطرحها الأهالي، قصة البرج السكني والتجاري المشاد على العقار رقم 461 في المنطقة الخامسة، والذي كان يؤوي قبل هدمه 17 عائلة حمصية تملكه على الشيوع.

وبحسب الوثائق التي يستند إليها أصحاب العقار، كان البناء قائماً ومستقراً، ومثبتاً ضمن القيود الرسمية لمديرية المالية بين عامي 2006 و2009، ويتألف من قبو محفور، ومحال تجارية، وشقة وسطية، تعلوها سبعة طوابق متكررة تضم 14 شقة سكنية.

ويقول أصحاب العقار إن البناء كان متضرراً جزئياً فقط، وإنه كان بالإمكان تدعيمه وإصلاحه، إلا أن هدمه أدى في نهاية المطاف إلى تشريد العائلات المالكة وحرمانها من الاستفادة من ممتلكاتها.

ولا تتوقف معاناة أصحاب العقار عند الهدم، إذ يقولون إنهم فوجئوا، عند التقدم بطلبات إعادة الإعمار عبر وكيلهم الشرعي وإرفاق الوثائق وضبوط الشرطة والصور الفوتوغرافية، بمطالبتهم بزيادة أسهمهم بنسبة 23 بالمئة وشراء أسهم إضافية لصالح الدولة، بذريعة شمول المنطقة بأحكام القانون رقم 26 لعام 2000.

ويشير أصحاب العقار، في المقابل، إلى أن العقار الأم سبق أن اقتُطع منه، بموجب لجان القانون رقم 9 لعام 1974، نحو 815 متراً مربعاً لصالح الشوارع والمنافع العامة.

وهنا تطرح القضية سؤالاً مشروعاً حول ازدواجية المعايير: كيف يُطلب من مواطن فقد منزله وممتلكاته نتيجة الحرب والهدم دفع مبالغ إضافية للحصول على حقوق يرى أنها مثبتة أصلاً، في حين تبدو المشاريع الاستثمارية الكبرى وكأنها تتحرك بإجراءات أكثر مرونة وسرعة؟

ويؤكد أصحاب العقار أن مجموع أسهمهم الحالية يبلغ 228 متراً مربعاً، في حين تبلغ مساحة الأرض الفعلية، بحسب ما يطرحونه، نحو 220 متراً مربعاً، ما يجعل مطالبتهم بشراء أسهم إضافية موضع اعتراض قانوني ومالي من جانبهم.

إن التطور الحقيقي للمدن لا يُقاس بفخامة الأبراج وارتفاعها أو بحجم المشاريع الاستثمارية وحدها، بل يُقاس أولاً بمدى صون حقوق المواطنين المتضررين، وتسهيل عودتهم، وتمكينهم من إعادة بناء ممتلكاتهم دون تعقيدات إدارية أو أعباء مالية غير مبررة.

ومن هنا، يطالب أصحاب العقار رقم 461، ومعهم متضررون من مناطق أخرى في حمص، الجهات المعنية في مجلس المدينة والدوائر الفنية والقانونية بمراجعة هذه الملفات، وإجراء مقاصة عادلة بين حقوق المالكين والاقتطاعات السابقة، وتسهيل منح رخص إعادة البناء لأصحاب الأبنية المهدمة، بما يضمن ألا تتحول عملية إعادة الإعمار إلى عبء جديد على من فقدوا منازلهم وممتلكاتهم.

فإذا كانت حمص تتجه نحو واجهة عمرانية جديدة، فإن العدالة العمرانية يجب أن تكون أساس هذه النهضة، لا ضحيتها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى