سيريتل : من ” مخلوف ” إلى ” الدولة “.. هل تغيّر الاسم فقط؟

لم تكن سيريتل يوماً مجرد شركة اتصالات. كانت لسنوات إحدى أدوات نهب السوريين المشروعة على الورق: فاتورة يدفعها المواطن شهرياً مقابل خدمة متردية، تتحول عائداتها بصمت إلى تمويل عصابات ميليشياوية قتلت من دفعوا تلك الفاتورة أصلاً. رامي مخلوف لم يكن مجرد “مستفيد من قربه من السلطة” كما تصفه الصياغات المخففة؛ كان واجهة رسمية لاقتصاد سرقة ممنهج، عاقبته وزارة الخزانة الأميركية عليه صراحة منذ 2008، وأدرجت “سيريتل” نفسها على قوائم العقوبات الأوروبية بصفتها أداة تمويل للنظام لا مجرد شركة اتصالات خاضعة لملكية مثيرة للجدل.

الإدارة الجديدة: تعيينات لامعة أم استمرار للاحتكار بثوب جديد؟

اليوم، وبعد التحرير، تحاول سيريتل تسويق نفسها كشركة “مختلفة”. صندوق سيادي، رئيس تنفيذي بخبرة 25 عاماً، رئيس مجلس إدارة يعرف القطاع من الداخل. كل هذا يبدو جيداً على الورق – تماماً كما كانت تبدو “خبرة” يسار إبراهيم جيدة على الورق قبل أن يتكشف دوره في تهريب أموال النظام.

المشكلة أن التعيينات وحدها لا تعني قطيعة. فالسؤال الحقيقي الذي يجب ألا نتوقف عن طرحه هو: من يملك القرار الفعلي داخل سيريتل اليوم؟ هل هو صندوق سيادي يخضع لرقابة ومساءلة شفافة، أم أننا فقط استبدلنا دائرة ضيقة من رجال الأسد بدائرة ضيقة جديدة من رجال الدولة الجديدة، بنفس غياب المحاسبة ونفس انعدام الشفافية المالية التي جعلت من مخلوف ثم إبراهيم قادرين على العمل بلا رقيب لعقدين كاملين؟

الشركة لم تنشر ميزانية مفصلة، ولم تُخضع نفسها لتدقيق مستقل معلن، ولم توضح آلية محاسبة إدارتها الحالية أمام السوريين أنفسهم. وحتى تفعل ذلك، فإن كل حديث عن “بداية مختلفة” يبقى شعاراً تسويقياً لا أكثر.

السؤال الذي يتجنبه الجميع: أين تذهب الأرباح الآن؟

الوثيقة الأخطر التي غابت طوال عهد مخلوف وإبراهيم كانت وثيقة واحدة: إلى أين تذهب أرباح سيريتل؟ اليوم، وبعد أن أصبح الصندوق السيادي “صاحب الحضور الأبرز” في إدارة الشركة بحسب المؤشرات المتاحة – لا بحسب إعلان رسمي صريح وواضح عن هيكل الملكية الكامل – يبقى السؤال نفسه قائماً بصيغة جديدة: هل ستُنشر ميزانيات سيريتل للعلن؟ هل سيعرف كل سوري يدفع فاتورته الشهرية إلى أين تذهب هذه الأموال بالضبط؟

بلا جواب واضح على هذا السؤال، فإن كل خطاب عن “شركة وطنية لجميع السوريين” يبقى وعداً غير مُلزم، تماماً كما كانت وعود “الإصلاح” في كل مرحلة سابقة من عمر سيريتل.

سيريتل بدأت تتحرك، وهذا لا يجب إنكاره. لكن شركة ورثت عقدين من الفساد الموثق، ونهب أموال شعب بأكمله، وتمويل آلة قتل، لا تستحق الثقة بمجرد تغيير الأسماء على الأوراق الرسمية. الاختبار الحقيقي لن يكون في تصريحات المدراء الجدد، بل في شيء واحد لم تقدمه الشركة بعد: شفافية مالية كاملة، ومحاسبة مستقلة، وإجابة واضحة عن سؤال واحد بسيط: من يملك القرار، ومن يراقبه؟

حتى تأتي تلك الإجابة، يبقى الحكم معلقاً – لا تصفيقاً، ولا إدانة عمياء، بل انتظاراً حذراً مبنياً على أرقام قابلة للتحقق، لا على خطاب علاقات عامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى