
أموال الناس ليست لعبة.. صائب أبو الفاروق أمام اختبار المساءلة
تسجيلات الاعتذار لا تكفي: ملايين الدولارات اختفت، والرواية الرسمية غائبة، والضحايا ينتظرون كشفًا كاملًا للحسابات
لم يعد ما يجري في قضية صائب أبو الفاروق مجرد «خسارة تداول» عابرة يمكن دفنها في تسجيل صوتي أو تبريرها بعبارات عن الابتلاء والظروف الصعبة. نحن أمام أموال سلّمها أشخاص وعائلات إلى جهة تولّت تشغيلها، ثم وجد أصحابها أنفسهم أمام أرقام متضاربة، ووعود مؤجلة، وغياب صاحب الأموال عن المشهد.
تقول الروايات المتداولة إن قيمة الأموال التي جرى تشغيلها في التداول والعملات الرقمية تقترب من 18 مليون دولار. وحتى لو بقي الرقم بحاجة إلى تدقيق مستقل، فإن حجم القضية، كما يظهر من التسجيلات والتغطيات الصحفية، لا يسمح بالتعامل معها كخلاف شخصي أو أزمة خاصة بين أبو الفاروق وبعض معارفه.
القضية تتعلق بحقوق ناس سلّموا أموالهم على أساس الثقة، وبمسؤولية من جمع هذه الأموال وأدارها، وبضرورة معرفة أين ذهبت كل دولار.
اعتراف بالخسارة وغياب عن أصحاب الحقوق
بحسب ما أوردته «الترا سوريا» و«تلفزيون سوريا»، انتشرت في أيلول/سبتمبر تسجيلات صوتية منسوبة إلى أبو الفاروق، تحدث فيها عن خسائر كبيرة وقعت خلال 24 إلى 48 ساعة، وأقر بوجود أموال وحقوق مالية لأشخاص آخرين.
قال أبو الفاروق إنه اضطر إلى الانتقال إلى «مكان آمن»، وإنه سيغيب فترة عن التواصل، متعهدًا بفتح قنوات محدودة لتحويل الأموال إلى أصحابها. كما تحدث عن تحويلات دورية تبدأ بالمبالغ الصغيرة، وعن استعداده لمواصلة السداد لسنوات.
لكن أصحاب الحقوق لا يعيشون على الوعود. ولا يمكن إدارة أزمة بهذا الحجم عبر رسائل صوتية مبهمة أو عبر مطالبة المتضررين بالصبر، بينما لا يُعرض عليهم كشف حساب واضح يبين حجم الأموال، ومصيرها، والخسائر الفعلية، وما تبقى منها.
وإذا كان أبو الفاروق قد خسر الأموال فعلًا في التداول، فعليه أن يقدم الدليل: أين جرى التداول؟ مع أي منصات؟ ما هي الصفقات؟ ما قيمة الإيداعات؟ وما قيمة الخسائر؟ أما الاكتفاء بالقول إن كل شيء حدث خلال ساعات، من دون مستندات، فيترك الباب مفتوحًا أمام أسئلة أكثر خطورة.
18 مليون دولار.. رقم لا يجوز أن يبقى بلا جواب
تتحدث منشورات محلية عن نحو 18 مليون دولار، فيما نقلت «الترا سوريا» أن تقديرات متداولة تتجاوز هذا الرقم، من دون تمكنها من التحقق المستقل من قيمته. أما «تلفزيون سوريا» فأكد أن الرقم متداول، لكنه لم يرد في التسجيلات باعتباره حصيلة نهائية معلنة من أبو الفاروق.
هذا لا يلغي خطورة الرقم، بل يجعل كشفه أكثر إلحاحًا. فإذا كان الرقم مبالغًا فيه، فليظهر الحساب الحقيقي. وإذا كان قريبًا من الواقع، فليُكشف مسار هذه الأموال. أما إبقاؤها في منطقة الشائعات، مع ترك آلاف الأسر ــ بحسب ما يرد في الروايات ــ معلقة بين الخوف والانتظار، فهو بحد ذاته شكل من أشكال إدارة الأزمة على حساب الضحايا.
كما أن حديث أبو الفاروق عن وجود 565 ألف دولار أو 700 ألف دولار بحوزته لا يجيب عن السؤال الأساسي: كيف انتقلت الأموال من أيدي أصحابها إلى منظومة التداول؟ ومن كان يملك صلاحية التصرف بها؟ وهل كانت هناك عقود واضحة تُعرّف المخاطر وتحدد المسؤوليات؟
خسارة أم تهرّب من المسؤولية؟
قد تكون الخسارة الاستثمارية ممكنة، لكن الخسارة لا تعفي من المساءلة. من يدير أموال الآخرين ليس متداولًا عاديًا يخسر ماله الشخصي ثم يطوي الصفحة. إنه يتحمل واجبًا أعلى في الشفافية، وتوثيق العمليات، وإبلاغ أصحاب الأموال فور وقوع الخطر، وعدم استخدام أموال جديدة لمعالجة خسائر قديمة.
أما إذا ثبت أن الأموال لم تدخل في تداول حقيقي، أو أن أصحابها تلقوا وعودًا مضللة، أو أن الأموال حُوّلت إلى أغراض أخرى، فالقضية تنتقل من خسارة مالية إلى شبهة احتيال وإساءة ائتمان، وهو أمر لا يحسمه أبو الفاروق بتسجيل صوتي ولا حملة تعاطف على وسائل التواصل.
حتى الآن، لم تُعلن نتيجة تحقيق رسمي أو حكم قضائي يثبت الاحتيال. ولذلك لا يصح قانونيًا تقديم أبو الفاروق على أنه مدان. لكن غياب الإدانة القضائية لا يعني غياب الأسئلة، ولا يمنح أي شخص حق الاختفاء من دون كشف حساب، ولا يحوّل المتضررين إلى متهمين لأنهم يطالبون بأموالهم.
الاعتذار ليس تسوية
المشكلة في الخطاب المتداول ليست في طلب المهلة فحسب، بل في أنه يضع أصحاب الأموال أمام خيارين غير عادلين: الانتظار سنوات على أمل السداد، أو التنازل عن جزء من حقوقهم تحت ضغط العاطفة والظروف.
الاعتذار قد يكون بداية لتحمل المسؤولية، لكنه لا يمثل تسوية مالية. والتعاطف مع شخص يقول إنه انهار لا يجوز أن يتحول إلى إلغاء لحقوق العائلات التي قد تكون باعت ممتلكات أو اقترضت أو وضعت مدخراتها في المشروع أملاً بتحقيق عائد.
إذا كان أبو الفاروق يريد إثبات حسن نيته، فالطريق واضح: كشف مالي شامل، قائمة دقيقة بالمطالبات، جدول سداد معلن، طرف مستقل يشرف على التحويلات، وتعاون كامل مع أي تحقيق قانوني. غير ذلك سيبقي القضية أسيرة الكلام، وسيزيد الشكوك بدل أن يبددها.
خلفية عسكرية تزيد الحاجة إلى الشفافية
يرتبط أبو الفاروق، وفق التغطيات المتاحة، بمؤسسة «تواق ميديا» وببيئة إعلامية وعسكرية في شمال غربي سوريا. كما يربط التفريغ المتداول اسمه بخالد خطاب، الذي تذكر «الذاكرة السورية» أنه كان قائدًا عسكريًا في «أنصار التوحيد» قبل توليه قيادة الفرقة 82 في القوات المسلحة السورية في آذار/مارس 2025.
هذه الخلفية لا تثبت أن الأموال كانت تمويلًا لفصيل مسلح، ولا تثبت تورط شخصيات عسكرية في القضية. لكنها تجعل الحاجة إلى الشفافية أكبر، لا أصغر. فحين تتقاطع الثقة الاجتماعية مع شبكات عسكرية وإعلامية ونفوذ محلي، يصبح من واجب القائمين على إدارة الأموال أن يوضحوا طبيعة النشاط والجهات المشاركة ومصادر الأموال ومصيرها.
ولا يجوز استخدام السمعة العسكرية أو الدينية أو الثورية كبديل عن العقود والحسابات. الثقة ليست رخصة للتصرف بأموال الناس، والتاريخ الشخصي لا يعفي من تقديم الوثائق.
تحذير رسمي سبق الأزمة
في آب/أغسطس 2025، حذر مصرف سورية المركزي من مخاطر التعامل بالعملات الرقمية، مؤكدًا أنها لا تخضع لإشرافه أو لترخيص رسمي، وليست عملة قانونية معتمدة، ومحذرًا من التقلبات والاحتيال وصعوبة استرداد الأموال.
كان التحذير واضحًا: لا جهة رقابية تحمي المتعاملين، ولا ضمانة لاسترداد الأموال، ولا حماية من المنصات غير الموثوقة. ومع ذلك استمرت سوق الوعود السريعة في جذب أموال الناس، مستفيدة من الفقر والبطالة ورغبة الأسر في تعويض ما فقدته خلال سنوات الحرب.
في هذه البيئة، تصبح مسؤولية من يجمع الأموال مضاعفة. لا يكفي أن يقول إنه كان يتداول، ولا يكفي أن يعلن أنه خسر. عليه أن يثبت أين وضعت الأموال، وكيف خُسرت، ولماذا لم يُبلغ أصحابها في الوقت المناسب.
المطلوب الآن
المطلوب ليس حملة تشهير، ولا محاكمة عبر مواقع التواصل. المطلوب محاسبة مهنية وقانونية لا تستثني أحدًا. ويبدأ ذلك بكشف كامل للحسابات، ومراجعة التحويلات، وتحديد أسماء أصحاب الحقوق وقيمة مطالباتهم، والتحقق من أي أموال أو ممتلكات يمكن استخدامها في السداد، ثم إحالة الملف إلى جهة قضائية مستقلة.
كما ينبغي على أبو الفاروق أن يعلن موقفًا واضحًا من الاتهامات، وأن يتيح للمتضررين وسيلة موثوقة لتقديم مطالباتهم، لا أن يتركهم يتنقلون بين مجموعات واتساب وقنوات مؤقتة وتبرعات غير معلنة المصدر.
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية للحكم بأن ما حدث كان احتيالًا متعمدًا. لكن توجد مؤشرات كافية للقول إن طريقة إدارة الأزمة غير مقبولة، وإن الاعتذار وحده لا يعالج انهيار الثقة. كما أن رقم 18 مليون دولار، مهما كانت دقته النهائية، لا يمكن أن يبقى مجرد مادة للجدل على المنصات.
أموال الناس ليست ساحة مقامرة، وليست ملكًا لمن يديرها. ومن جمعها أو تصرف بها مطالب اليوم بأن يجيب بوضوح: كم دخل؟ كم خسر؟ أين خسر؟ كم بقي؟ وكم سيعيد ومتى؟
ادلب – مصدر



