
قصة “32 طفلاً و100 ألف يورو”.. كيف تحولت واقعة حقيقية إلى مادة للتحريض ضد السوريين؟
عادت إلى الواجهة في هولندا قصة عائلة سورية في ألمانيا، بعد تداول منشورات تزعم أن رجلاً سورياً لديه 32 طفلاً وثلاث زوجات ويتلقى عشرات آلاف اليوروهات من أموال الدولة، في رواية انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي واستخدمتها حسابات مناهضة للهجرة للتحريض على اللاجئين السوريين.
وتظهر عمليات التحقق أن القضية تحمل جانباً حقيقياً، لكن بعض التفاصيل المتداولة حولها جرى تضخيمها أو تقديمها بطريقة توحي بأنها حقائق مثبتة بالكامل.
وتعود القصة إلى عائلة سورية كبيرة تقيم في منطقة لايبزيغ الألمانية، حيث تحدثت السلطات عن رجل لديه 32 طفلاً على الأقل وثلاث نساء على الأقل وفق الشريعة الإسلامية.
وأثارت هذه المعلومات اهتمام وسائل إعلام ألمانية، خصوصاً في سياق النقاش المتواصل حول ما يعرف بـ”جرائم العشائر” في ألمانيا، بعد ارتباط عدد من أفراد العائلة بملفات جنائية.

100 ألف يورو.. رقم حقيقي أم مجرد حساب؟
أكثر أجزاء الرواية انتشاراً كان الحديث عن حصول الأسرة على نحو 100 ألف يورو سنوياً من إعانات الأطفال.
غير أن هذا الرقم لا يمثل، وفق المعلومات المتاحة، مبلغاً رسمياً ثبت أن الأسرة تتقاضاه.
فالرقم نتج عن عملية حسابية تقوم على ضرب عدد الأطفال المذكورين، أي 32 طفلاً، بقيمة إعانة الطفل الشهرية في ألمانيا، ثم احتساب المبلغ على مدار عام.
وبالتالي فإن الوصول إلى نحو 100 ألف يورو لا يعني أن هذا المبلغ دُفع فعلياً للأسرة، إذ إن استحقاق الإعانة يخضع لشروط قانونية، كما أن بعض الأطفال المذكورين أصبحوا بالغين.
وهنا تحديداً تحولت عملية حسابية افتراضية إلى رقم يجري تداوله على مواقع التواصل وكأنه كشف مالي رسمي.
ماذا عن تعدد الزوجات؟
تتحدث المنشورات عن “ثلاث زوجات”، وهو وصف يحتاج أيضاً إلى توضيح.
فألمانيا لا تعترف قانونياً بتعدد الزوجات، وبالتالي فإن الحديث عن ثلاث زوجات لا يعني وجود ثلاث زيجات مسجلة ومعترف بها من جانب الدولة الألمانية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن النساء مرتبطات بالرجل وفق الشريعة الإسلامية، وليس باعتبارهن زوجات في زيجات متعددة معترف بها قانونياً في ألمانيا.
والجرائم؟
القضية لا تخلو من جانب جنائي حقيقي، إذ سبق للسلطات الألمانية أن تحدثت عن ارتباط عدد من أفراد العائلة بجرائم وملفات لدى الشرطة والقضاء.
لكن هذه الوقائع تخص أفراداً محددين، ولا يمكن استخدامها لإطلاق أحكام عامة على جميع أفراد العائلة، فضلاً عن استخدامها لتوصيف السوريين في ألمانيا أو هولندا ككتلة واحدة.
ومع إعادة نشر القصة في هولندا، جرى دمج هذه المعلومات مع الحديث عن الإعانات وتعدد الزوجات، لتظهر الرواية في صورة أكثر إثارة، الأمر الذي جعلها مادة مناسبة للحسابات والمنصات المناهضة للهجرة.
لماذا عادت القصة إلى التداول في هولندا؟
جاء انتشار الرواية في وقت يشهد فيه ملف الهجرة واللجوء في هولندا نقاشاً سياسياً حاداً، خصوصاً مع تصاعد الخطاب المطالب بتشديد إجراءات اللجوء وترحيل بعض اللاجئين السوريين.
واستغلت حسابات يمينية القصة لتقديمها باعتبارها مثالاً على ما تصفه بـ”استغلال نظام الإعانات”، رغم أن الرقم المالي المتداول لا يمثل، وفق عمليات التحقق، مبلغاً ثبت دفعه فعلياً للأسرة.
وتكمن خطورة هذه المنشورات في أنها تخلط بين وقائع حقيقية وأرقام غير مثبتة، ثم تستخدم النتيجة لتكوين صورة عامة عن آلاف السوريين المقيمين في أوروبا.
وبذلك، لا تتمثل المشكلة في وجود عائلة كبيرة أو في وجود أفراد متهمين بارتكاب جرائم، وإنما في تحويل حالة فردية إلى تعميم، وتحويل حساب افتراضي إلى رقم مالي مزعوم، ثم استخدام الرواية للتحريض على فئة بأكملها.



