عادل كرم مهرّج على “نتفليكس” … راشد عيسى

 

فيديو ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي: ليل. وقع خطى. تصوير يبدو وكأنه بمنظار ليلي حربي. “وصلوا؟”، يسأل جندي، ثم.. إطلاق نار، وأوامر للمجموعة 5 بالتقدم. بضعة أشخاص يقودون طفلين إلى غرفة الجند. على الحيطان صورة لبشار الأسد، حيث يظهر إلى جانبه اسم “الفرقة الرابعة”. إذاً فقد أنقذ الجند الطفلين فاطمة وحمزة عبر معبر “الوافدين”. الصغيرة فاطمة تُسأل عن والديها فتقول “قوّصوا عليهم الإرهابيين” (عرفت كيف تصفهم إرهابيين فوراً حال إنقاذها!).
البسكويت متوفر، عصير البرتقال جاهز للسقيا. ودائماً من يد جنود “الفرقة الرابعة”، المعروفة بارتكاب أفظع الجرائم.
فيديو مصور كي يبدو عفوياً للغاية. لكن هل سيتمكّن من محو أثر المجزرة المستمرة في الغوطة الشرقية، تلك التي نراها في البث المباشر، ونرى خصوصاً ما يحلّ بأطفالها ونسائها إثر القصف الجوي الأعمى؟!
أبداً، ليس هذا هو المقصود، آخر همّ “الفرقة الرابعة” أن تبدد سمعة المجزرة، الأمر فقط من أجل بث الطمأنينة في القلوب، لإقناع سكان الغوطة بالخروج منها، ما يبدو هدفاً استراتيجياً للنظام، كما ظهر من قبل على مختلف الجبهات.

لماذا عادل كرم؟

في إطلالته الأولى على جمهور “نتفليكس” قدم الممثل اللبناني عادل كرم أسوأ أداء ممكن في مجال الستاند آب كوميدي. خلطة من عناصر تجهد إلى إرغام جمهور الاستديو على الضحك، أو على الأقل على الانتباه.
يمكن القول إن الجنس هو الموضوع الأساسي لحلقة كرم الأولى، وقد بدا عبر هذا الاختيار كمن يريد التمسك بفرصته الاستثنائية وغير المتوقعة عندما اختارته شبكة العرض الشهيرة “نتفليكس” كأول فنان عربي. لم يرد أن يفلت تلك الفرصة من يده، فكانت أولى محاولاته الإمساك والضرب على الأوتار الحساسة للمتفرجين والحضور.
ويا لها من نكات تلك التي رواها! “طقوس التبويس” بين لبنان والأردن ومختلف الأمصار. أطوال أعضاء الجسد بين أفريقيا والصين. من هم أبطال أفلام البورنو. لاعبات التنس كبديل لتلك الأفلام. صيحاتهن. تجربته الخاصة في الدخول إلى مشفى وإجراء تنظير للجهاز الهضمي. كل ذلك من دون الاكتفاء بالتلميح أو الإشارة، فلقد حوّل الممثل جسده لوسيلة إيضاح أساسية ووحيدة، بل وبإسهاب وتفصيل يخجل المرء من متابعته.
إنها فرصة لمراجعة الأداء الكوميدي لعادل كرم. هل هو ممثل مضحك بالفعل؟ وهل يكفي تقديمه سابقاً لنمط كوميدي أو اثنين (أشهر أدواره الكوميدية شخصية أبو رياض على تلفزيون “المستقبل”) ليسجل في مصاف الكوميديين؟
يعرف دارسو التمثيل أن النمط هو من أسهل أنواع الأداء، يكفي المرء/ الممثل أن يعتمد بعض العكاكيز الجسدية واللفظية، مع لوازم يكرّرها بانتظام حتى يكون مضحكاً. يمكننا أن نتذكر أن ممثلاً كأيمن زيدان أدى (من فرط سهولة الأمر بالنسبة لممثل) العديد من الأنماط الكوميدية في مسلسل تلفزيوني واحد هو “يوميات مدير عام”. لكن هل تخوّل تلك الأدوار القليلة الممثل اللبناني التفرّد في تقديم الستاند آب على شاشة نتفليكس؟ الإطلالة الأولى تؤكد أن هنالك خطأ ما أدى باختيار كرم لا أحد فنانين مصر. هل يستطيع أحد إنكار أن تلك بلاد خفة الدم، وفناني الستاند آب، ولغة الضحك الفطرية!

قضية رقم 23

إثر عرض حلقته الأولى على “نتفليكس”، وفي مقابلة صحافية ساخنة معه، حفلت باعتراضات وأسئلة مستنكِرة لما ورد في مضمون الستاند آب كوميدي الخاص بعادل كرم، سأل الأخير محاورته، بعد أن امتلأ غيظاً على ما يبدو: “من وين انتي؟”. “فلسطينية”. أجابت الصحافية، فبادرها على الفور “انتو ليش لاقطين القضية وماشيين فيها؟ انتو بفلسطين ماخدين الدنيا قضايا. فهمانة الموضوع غلط. الكوميديا هي عبارة عن كاريكاتور عم أعمله لضحّك الناس لا أكثر ولا أقل”.
لا ندري ما جواب عادل كرم، لو قالت له الصحافية حينها بأنها أردنية، أو أنها تنتمي لأي جنسية خليجية، بأي كلام كان سيجيب!
في هذا الموقف هناك ما يذكّر بفيلم “قضية رقم 23″، حيث ظهر أن الإهانة التي وجهها كرم (نعني الشخصية التي لعب دورها في الفيلم) لمهندس فلسطيني مؤسسة على تاريخ من الكراهية ورغبة الانتقام، وقد فرّغها في وجه أول فلسطيني يشتبك معه، حتى لو كان بريئاً مثلما كان ياسر سلامة (الشخصية التي أداها الممثل الفلسطيني كامل الباشا).
في وقت يتوقع المرء أن يكون في السينما شفاء للناس، نجد أن عادل كرم يستغرق في لعب دوره في ذلك الفيلم، بالأحرى نجده قد وقع في مرض الرغبة بالانتقام، ومحاولة التكسير، لمجرد أن الصحافية لم يعجبها أداؤه في “نتفليكس”. واضح أن القضية ليست قضية مزراب.

عندما يقارَن الرؤساء بالأبقار!

عرض تلفزيون “العربي” تقريراً مصوراً حول “الصالون الزراعي الدولي” في باريس، الذي زاره الرئيس الفرنسي ماكرون جرياً على عادة الرؤساء في مناسبات وفعاليات وطنية بهذا الحجم.
تجول كاميرا التلفزيون هنا وهناك، خصوصاً على ما يهمّ المشاهد العربي، في الأجنحة الممثلة لبعض دول المغرب العربي.
مفاجأة التقرير، الذي أعدّه مراسل القناة في باريس محمد الحاجي، هي في العبارة الختامية: “يحاول الرؤساء الفرنسيون كما جرت العادة كسب ود الفلاحين والمزارعين عن طريق المشاركة في هذا الصالون. لكن هذه الأبقار النادرة والمدلّلة خطفت الأضواء وكانت نجمة هذه النسخة من هذا الصالون الزراعي في باريس”.
يحاول المراسل أن يختم، كما يفعل كثيرون في تقاريرهم المتلفزة، بعبارة ذهبية ما، وقد اعتدنا فعلاً على انتظار هذا النوع من الختام الذي يضع فيه المراسل كل حكمته وبلاغته، وأحياناً اشتغالاته اللغوية، ولو أن المراسل يكتفي هنا بتلك الإلماحة الساخرة، التي تشير إلى أن الأبقار استحقت نجومية وودّاً من المزارعين لم يستحقه الرؤساء.
لكن للحق، هي ليست مجرد تلميحة، إنها شتيمة صريحة لا تضيف إلى المادة المتلفزة، ولا هي موظفة في سياق ما، إن كان للشتيمة أن توظف أصلاً!
لم يكن المراسل أساساً بصدد الحديث عن زيارة الرئيس، والزيارة في ذاتها تستحق التغطية بسبب ما تسرّب من اعتراضات ومشادات كلامية مع المزارعين المشاركين. كان التقرير بصدد القيام بجولة بانورامية المعرض عموماً، ولعله لم يخيب مشاهده في تلك الجولة. لولا تلك الخاتمة المفاجئة.
إنه استثمار مجاني لحرية التعبير، لن يسمعه الفرنسيون بالطبع، فهو مصنوع لدغدغة مشاهد عربي قد يشعر بالانتشاء لذلك التهكم، لتلك الشتيمة، حتى لو حدثت تحت سقف وطن آخر.

 

 

 

 

 

عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى