هندسة “الخوف” في سوريا: وثائق مسربة تكشف كيف حوّل الأسد البيوت إلى فروع أمنية

في تحقيق استقصائي زلزل الأوساط الحقوقية والسياسية، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عن الوجه الأكثر قتامة لنظام الأسد البائد، مستندة إلى آلاف الصفحات من وثائق المخابرات العسكرية التي عُثر عليها بعد سقوط دمشق في ديسمبر 2024. التحقيق يرسم ملامح “دولة المخبرين” التي شيدها فلول النظام ومجرموه، حيث لم تكن الوشاية مجرد إجراء أمني، بل كانت “ديناً” يدين به الجار لجاره، والزوج لزوجته، والقريب لقريبه، في منظومة تهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي السوري وتحويل الثقة إلى عملة نادرة.

الوشاية.. سلاح الدمار الشامل للأسرة السورية

تورد الوثائق قصصاً مروعة تجسد انهيار القيم الإنسانية تحت وطأة الترهيب؛ فمن قصة الشيخ عبدو خاروف، إمام جامع الإخلاص بدمشق، الذي قاده “ابن عمه” إلى حتفه في أقبية الفرع 215 بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، إلى مأساة الممثل فراس الفقير الذي تحولت غرفة نومه إلى ساحة تجسس بعد أن سجلت زوجته انتقاداته للنظام لتستخدمها كأداة ابتزاز في قضية طلاق.
هذه النماذج، بحسب التحقيق، لم تكن حالات فردية، بل كانت جزءاً من استراتيجية ممنهجة اتبعها فلول النظام ومجرموه لضمان الولاء المطلق عبر “تأميم” الخصوصية. فالوثائق تكشف أن مجرد حيازة دولارات أو شريحة هاتف غير مسجلة، أو حتى زلة لسان في جلسة عائلية خاصة، كانت كفيلة بفتح أبواب الجحيم على صاحبها.

الفرع 215: “متاهة الموت” الموثقة

يضع التحقيق “الفرع 215” (سرية المداهمة) في قلب آلة القمع، واصفاً إياه بـ “متاهة الزنزانات” التي شهدت وفيات يومية تحت التعذيب. وتظهر الوثائق المسربة دقة متناهية في أرشفة الموت؛ حيث كانت الجثث تُرقّم وتُصوّر مع توثيق آثار الصدمات الكهربائية والحروق، في مشهد يعكس سادية فلول النظام ومجرميه الذين لم يكتفوا بالقتل، بل أرادوا تحويله إلى “علم” إداري موثق.
المثير للصدمة في الوثائق هو حجم “التعاون” القسري أو الطوعي لآلاف السوريين الذين تحولوا إلى مخبرين. فالمخابرات العسكرية لم تكن تعتمد فقط على ضباطها، بل على شبكة عنكبوتية من “المصادر” التي اخترقت كل مفاصل الحياة، من المدارس والمساجد وصولاً إلى غرف النوم، مما جعل كل سوري مشروع “متهم” أو “واشٍ” في آن واحد.

إرث ثقيل وتحديات العدالة

بعد عام على سقوط النظام، يطرح هذا التحقيق السؤال الأصعب أمام السوريين: كيف يمكن ترميم الثقة في مجتمع صاغه الخوف لعدة عقود؟ يرى خبراء أن هذه الوثائق، رغم قسوتها، تمثل حجر الزاوية في مسار العدالة الانتقالية؛ فهي لا توثق الجرائم فحسب، بل تكشف عن هوية فلول النظام ومجرميه الذين لا يزال بعضهم يتخفى بين المدنيين أو يحاول الاندماج في العهد الجديد.
إن كشف النقاب عن “دولة المخبرين” هو الخطوة الأولى نحو التحرر من إرث الأسد، لكن الطريق نحو المصالحة الوطنية لا يزال طويلاً، طالما أن ندوب الوشاية لا تزال تنزف في قلوب العائلات التي اكتشفت أن “العدو” كان يشاركها مائدة الطعام.
.
.

ترجمة مصدر

هاشتاغات: #سوريا #وول_ستريت_جورنال #وثائق_المخابرات_المسربة #دولة_المخبرين #الفرع_215 #فلول_النظام #العدالة_للسوريين #مصدر_NEWS

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى