أزمة جرائم قتل النساء (Féminicides) في فرنسا : فشل الحماية واستمرار المأساة

 

تُعد ظاهرة جرائم قتل النساء (Féminicides) في فرنسا واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والأمنية إلحاحاً، حيث تكشف عن فشل هيكلي مستمر في حماية النساء من العنف المنزلي. ورغم الوعود السياسية والمبادرات الحكومية، لا تزال الأرقام الصادمة تتوالى، مما يثير غضباً شعبياً واسعاً ويضع السلطات تحت ضغط متزايد لتوفير حلول جذرية .

الإحصائيات الصادمة واستمرار النمط المأساوي

تؤكد الإحصائيات الأخيرة أن الأزمة لم تنحسر، بل إنها تزداد تفاقماً. ففي عام 2024، سجلت فرنسا 107 جرائم قتل للنساء، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 11% مقارنة بالعام الذي سبقه .

وقد شهدت نهاية عام 2025 تصاعداً مروعاً في وتيرة هذه الجرائم، حيث أفادت التقارير بأن شهري أكتوبر ونوفمبر 2025 وحدهما شهدا 26 جريمة قتل للنساء، أي بمعدل مأساوي يصل إلى جريمة كل يومين تقريباً . وتُشير تقديرات أخرى أكثر شمولاً إلى أن هناك محاولة قتل لامرأة كل سبع ساعات في فرنسا، وهو رقم يعكس حجم الأزمة الإنسانية والاجتماعية التي تعيشها البلاد .

ولم يتوقف هذا النمط المأساوي مع بداية العام الجديد، حيث سجل اليوم الأول من يناير 2026 جريمة قتل في نانت، تلتها حالات أخرى في ليل، مما يؤكد أن الأزمة مستمرة وتتطلب تدخلاً فورياً .

الفشل الهيكلي في آليات الحماية

على الرغم من إطلاق الرئيس إيمانويل ماكرون هدف “القضاء التام على العنف ضد المرأة” في عام 2017، وإطلاق مبادرة “غرونيل لمكافحة العنف المنزلي” (Grenelle on Domestic Violence) في عام 2019، إلا أن آليات الحماية على أرض الواقع لا تزال تعاني من ثغرات قاتلة .

وقد خصصت الحكومة الفرنسية “جهداً مالياً تراكمياً” بلغ 740.3 مليون يورو على مدى خمس سنوات لمكافحة العنف، وفقاً لتقرير صادر عن مجلس الشيوخ في يوليو .

ومع ذلك، فإن هذا التمويل لم يترجم إلى حماية فعالة. فالنظام القضائي والشرطي ومنظمات دعم الضحايا، التي تُعد محورية في تطبيق هذه السياسات، تعاني من نقص حاد في الموارد والإشراف، بالإضافة إلى إغلاق بعض المكاتب واحتراق الموظفين وظيفياً .

ويشير الخبراء إلى أن التحدي الأكبر يكمن في فشل الكشف المبكر عن الحالات عالية الخطورة، وعدم تفعيل أدوات الحماية المتاحة بشكل كافٍ، مثل “هواتف الخطر الشديد” (Serious Danger Phones) وأساور التتبع الإلكتروني التي تهدف إلى إبعاد المعتدين عن الضحايا .

في محاولة للرد على الغضب الشعبي المتصاعد، أعلنت الحكومة الفرنسية في نوفمبر 2025 عن جاهزية مشروع قانون “شامل” لمكافحة العنف ضد النساء والأطفال، مدعوماً من أكثر من 100 برلماني. ويهدف هذا المشروع إلى سد الثغرات القانونية والإجرائية التي تسمح باستمرار هذه الجرائم. وبالتوازي مع ذلك، أطلقت فرنسا استراتيجية دولية للدبلوماسية النسوية للفترة 2025-2030، بهدف تعزيز المساواة وحماية النساء على الصعيد العالمي، مما يعكس اعترافاً رسمياً بضرورة معالجة القضية على المستويين المحلي والدولي .

غضب شعبي ومطالب المجتمع المدني

أثارت الجرائم المتكررة في نهاية عام 2025 موجة من الاحتجاجات والمظاهرات في مختلف المدن الفرنسية، حيث يطالب المجتمع المدني ومنظمات حقوق المرأة بتغيير جذري في كيفية تعامل القضاء والشرطة مع بلاغات العنف المنزلي .

وتدعو هذه المنظمات إلى زيادة الميزانية المخصصة لمكافحة العنف بشكل كبير، حيث تطالب بزيادة التمويل ليصل إلى 2.6 مليار يورو سنوياً لضمان حماية فعالة ومستدامة . كما تتزايد الدعوات لدمج برامج التوعية والتعليم حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في المناهج الدراسية، بهدف تغيير الثقافة المجتمعية التي تسمح باستمرار هذه الظاهرة.

تظل أزمة جرائم قتل النساء في فرنسا اختباراً حقيقياً لالتزام الدولة بحماية مواطنيها الأكثر ضعفاً. ورغم الجهود المبذولة، فإن استمرار الأرقام المرتفعة يشير إلى أن المعركة ضد العنف المنزلي لا تزال بعيدة عن الانتهاء، وأن الفجوة بين الوعود السياسية والواقع الميداني لا تزال واسعة، مما يتطلب إرادة سياسية أقوى وتخصيص موارد أكبر لإنقاذ حياة النساء المعرضات للخطر.

 

 

مرهف مينو – باريس

المصادر 

 Le Monde. (2026, January 3). Several femicides mark the end of 2025 in France. 

 Al-Quds Al-Arabi. (2025, November 22).

 France 24. (2025, December 15). 

 Prensa Latina. (2025, October 31). France registers 11% increase in femicides. 

 Al-Ain News. (2025, December 25).

 Le Monde. (2026, January 2). Why France still struggles to protect domestic violence victims. 

 Le Monde. (2025, November 25). French MPs introduce ‘comprehensive’ bill to tackle violence against women and children.

 Ambassade de France à Chypre. (2025, March 11). France’s international strategy for feminist diplomacy (2025-2030).

 RFI. (2025, November 20). Deadly attacks on women rise in France amid growing 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى