
20 ألف حلم معلّق : خريجو “جامعة الشعب الامريكية” السوريون بين فكي الواقع والبيروقراطية
حلم التعليم يصطدم بجدار الاعتراف
في بلدٍ أنهكته 14 عاماً من الحرب وتراجع فيه التعليم إلى حدود خطيرة، وجد نحو عشرين ألف طالب وخريج سوري في جامعة University of the People (UoPeople) الأميركية نافذة أمل نادرة. جامعة غير ربحية، تقدّم تعليماً عالياً شبه مجاني عبر الإنترنت، شكّلت لهؤلاء الشباب فرصة وحيدة لمتابعة دراستهم دون مغادرة البلاد، أو تحمّل تكاليف باهظة، أو ترك أعمالهم، أو الانخراط في جبهات القتال ضد النظام المخلوع.
لكن هذا الأمل اصطدم، بعد التحرير، بجدار بيروقراطي صلب. فوزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية ترفض الاعتراف بشهادات خريجي الجامعة، ما وضع مستقبل آلاف الشباب على المحك، ودفعهم إلى إطلاق مناشدات متكررة تطالب بـ“الالتفات” إلى قضيتهم.
عقدة قانونية قديمة في وجه تعليم حديث
ترتكز الوزارة في موقفها على سياسة ترفض التعليم الافتراضي الأجنبي بشكل مطلق. إذ تنص ملاحظة منشورة على موقعها الرسمي على أن:
“الدراسة بالانتساب إلى مؤسسات التعليم العالي غير السورية (الافتراضي – التعليم المفتوح – التعليم عن بعد – التعليم الإلكتروني) غير معترف بها”.
ويستند هذا الرفض إلى التعليمات التنفيذية للقانون رقم 19 لعام 2001، الخاص بمعادلة الشهادات، والذي يشترط إثبات إقامة الطالب في بلد الدراسة طوال فترة تحصيله العلمي. شرط يبدو مستحيلاً في حالة التعليم عن بعد، حيث لا يتطلب من الطالب السفر إلى الولايات المتحدة.
المفارقة أن وزارة التعليم العالي نفسها تنص في تشريعات أخرى على أن أي جامعة معتمدة من مجلس اعتماد التعليم العالي الأميركي (CHEA) تُعد معتمدة لديها. وجامعة University of the People مدرجة رسمياً ضمن هذه القائمة، إلا أن الوزارة تتجاهل هذا الاعتماد.
اعتماد أكاديمي “ذهبي” بلا صدى محلي
في شباط/فبراير 2025، حصلت الجامعة على الاعتماد الإقليمي الكامل من هيئة WASC Senior College and University Commission (WSCUC)، وهو أعلى وأهم نوع من الاعتماد الأكاديمي في الولايات المتحدة، ويُعد المعيار الذهبي لجودة التعليم العالي.
هذا التطور أسقط عملياً أي تشكيك أكاديمي بجودة الجامعة، ووضعها في مصاف الجامعات الأميركية المرموقة. كما ترتبط الجامعة بشراكات أكاديمية مع جامعات عالمية مثل: نيويورك، إدنبرة، وكاليفورنيا بيركلي.
إضافة إلى ذلك، يعمل عدد كبير من خريجيها في شركات عالمية كبرى مثل أمازون، أبل، مايكروسوفت، IBM، ديلويت، وجي بي مورغان، فضلاً عن مؤسسات دولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي.
خريجون بلا اعتراف
يقول محمد كريم، أحد خريجي الجامعة:“درست علوم الحاسوب، وتخرجت وعملت في منظمات دولية داخل سوريا، ولدي خبرة واسعة مثل كثير من زملائي. عدم الاعتراف بالشهادة شكّل صدمة كبيرة لنا، خصوصاً أنها معترف بها في دول عدة في المنطقة”.
ويعبّر خريجون آخرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن إحباطهم، معتبرين أن الاعتماد الإقليمي الجديد أزال كل الذرائع، وأن استمرار الرفض لم يعد مبرراً علمياً، بل إدارياً فقط.
تناقض صارخ: الجامعة الافتراضية السورية
يزيد من حدة الجدل وجود الجامعة الافتراضية السورية، وهي مؤسسة حكومية تقدم تعليمها بالكامل عبر الإنترنت. هذا الواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف تعترف الدولة بالتعليم الافتراضي عندما يكون محلياً، وترفضه بالمطلق عندما يكون صادراً عن جامعة أجنبية معتمدة دولياً؟
ويرى الخريجون أن هذا الموقف يعكس ازدواجية في المعايير، تحرمهم من حقوقهم الأكاديمية والمهنية، وتغلق أمامهم أبواب الوظائف الحكومية والدراسات العليا.
نداء أخير: حل استثنائي لظرف استثنائي
قضية خريجي University of the People لم تعد مجرد ملف إداري، بل تحولت إلى قضية إنسانية واجتماعية تمس مستقبل عشرات الآلاف من الشباب السوريين الذين راهنوا على التعليم كطريق للنجاة وبناء المستقبل.
الحل، بحسب المتابعين، لا يكمن في التمسك الحرفي بقانون قديم، بل في إيجاد مخرج استثنائي يراعي ظروف الحرب واللجوء والحرمان، ويواكب تطور التعليم العالمي.
ويطالب الخريجون بـ:
- دراسة الاعتماد الإقليمي الجديد للجامعة بجدية.
- إدخال مرونة على تعليمات معادلة الشهادات للتعليم عن بعد المعتمد دولياً.
- أو اعتماد امتحان تقويمي وطني يثبت الكفاءة العلمية دون اشتراط الإقامة المستحيلة.
فالاستجابة لهذه القضية ليست مجرد إنصاف لطلاب، بل استثمار حقيقي في رأس المال البشري السوري، وخطوة ضرورية لتحديث منظومة التعليم بما ينسجم مع العصر.



