كلفة الكرامة في سوريا.. صراع البقاء بين الدخل المحدود والاحتياجات الأساسية

مصدر

في ظل التدهور الاقتصادي الذي يثقل كاهل السوريين، لم تعد “الكرامة” مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل تحولت إلى معادلة مالية صعبة تتجاوز قدرة أصحاب الدخل المحدود. نموذج “أبو الحد الأدنى” يختصر المشهد؛ مواطن عادي، بلا طموحات استثنائية، لا يسعى إلى رفاهية أو مشاريع كبرى، بل يطلب حدًا أدنى من العيش الكريم، وهو مطلب بات أقرب إلى المستحيل.

حسابات بسيطة تكشف عمق الفجوة. إيجار منزل متواضع في حي شعبي يستهلك نحو مليون ونصف المليون ليرة سورية شهريًا. أما المواصلات اليومية إلى العمل فتضيف قرابة 400 ألف ليرة، لتضع العامل أمام خيارين أحلاهما مرّ: إرهاق الجسد بالمشي أو المجازفة بلقمة العيش عند التأخر.

في بند الغذاء، لا حديث عن لحوم أو موائد عامرة. ثلاث سندويشات فلافل يوميًا تكلف نحو 450 ألف ليرة شهريًا، وجبة متقشفة باتت تمثل سقف الممكن. حتى وعكة صحية عابرة قد تتطلب نحو 80 ألف ليرة، في وقت تلتهم فيه فاتورة الكهرباء وبدائلها ما يقارب 400 ألف ليرة إضافية، فيما تحتاج كسوة متواضعة من أسواق الملابس المستعملة إلى نحو 100 ألف ليرة.

…………………………..

عند جمع هذه البنود الأساسية فقط، يصل الحد الأدنى اللازم للبقاء ضمن دائرة “الكرامة” إلى قرابة ثلاثة ملايين ليرة شهريًا، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف راتب شريحة واسعة من العاملين. هنا تتجلى المفارقة القاسية: بين دخل لا يكفي، ومتطلبات حياة لا يمكن اختزالها أكثر.

هذا الواقع يدفع كثيرين إلى إعادة تعريف الكرامة ذاتها، بين التشبث بها رغم الضيق، أو القبول بأنماط سلوك مفروضة تحت ضغط الحاجة، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية ويضع تساؤلات حقيقية حول قدرة المجتمع على الاستمرار، أو على الأقل، على الحفاظ على الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى