القضاء السوري يُصدر مذكرات توقيف غيابية بحق مسؤولين من النظام السابق

خطوة نحو العدالة الانتقالية

دمشق، سوريا – في خطوة تاريخية نحو تحقيق العدالة الانتقالية، أعلنت وزارة العدل السورية عن إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق عدد من كبار المسؤولين في “النظام البائد”، وذلك بتهم تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الشعب السوري. يأتي هذا الإجراء بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، ويؤكد التزام السلطات القضائية الجديدة بمحاسبة المتورطين في الجرائم والفظائع التي شهدتها البلاد .

تفاصيل الإجراءات القضائية

 

صرح قاضي التحقيق السابع بدمشق، توفيق العلي، لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن الضابطة العدلية قد أتمت عمليات تقصٍ وتحرٍ واسعة شملت المئات من المشتبه بهم في ارتكاب جرائم وفظائع بحق الشعب السوري. وأوضح العلي أن التحقيقات الأولية رُفعت إلى وزارة العدل والنيابة العامة للجمهورية، التي قامت بدورها بتحريك الدعوى العامة. وبناءً على ذلك، أحيلت الأوراق إلى قضاء التحقيق الذي أصدر مذكرات التوقيف الغيابية بهدف جلب هؤلاء الأشخاص أمام العدالة .

أبرز الشخصيات المشمولة وموجز التهم

 

تضمنت قائمة الشخصيات المشمولة بمذكرات التوقيف الغيابية أسماء بارزة كانت لها أدوار رئيسية في النظام السابق، وتُنسب إليهم تهم خطيرة:
بشار الأسد: صدرت بحقه مذكرة توقيف غيابية في سبتمبر 2025 بتهم القتل العمد والتعذيب وحرمان الحرية، وذلك على خلفية أحداث درعا عام 2011، والتي تُعد شرارة الثورة السورية .
عاطف نجيب: ابن خالة بشار الأسد والرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في درعا. يُتهم نجيب بتعذيب الأطفال، وهو ما يُعتقد أنه كان سبباً رئيسياً في تفجر الاحتجاجات، بالإضافة إلى اتهامات بقتل الطفل حمزة الخطيب. وقد أشارت تقارير سابقة إلى اعتقاله، وقد تكون المذكرة الحالية لتثبيت الإجراءات القضائية أو لتوجيه تهم جديدة .
أحمد بدر الدين حسون: المفتي العام السابق للجمهورية. يواجه اتهامات بالتحريض على القتل وإصدار فتاوى تبرر الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها النظام .
محمد إبراهيم الشعار: وزير الداخلية الأسبق. يُتهم بالإشراف المباشر على عمليات القمع والتعذيب الممنهج في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة لوزارته .
إبراهيم الحويجة: المدير الأسبق لإدارة المخابرات الجوية. يُعد من الشخصيات الأمنية البارزة المتهمة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان .
وسيم الأسد: أحد قادة الميليشيات المعروفة باسم “الشبيحة” وأحد أقارب بشار الأسد. يُتهم بارتكاب جرائم قتل ونهب واسعة النطاق، بالإضافة إلى تورطه في تجارة المخدرات .
دعاس علي: قيادي آخر في الميليشيات الموالية للنظام، ويُتهم بارتكاب فظائع بحق المدنيين .
تشمل التهم الموجهة بشكل عام القتل العمد، التعذيب المؤدي إلى الوفاة، حرمان الحرية (الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري)، وارتكاب “جرائم وفظائع” جسيمة بحق الشعب السوري، فضلاً عن التحريض على العنف والانتهاكات .

العدالة الانتقالية والتحديات القانونية

 

تأتي هذه الإجراءات ضمن مسار العدالة الانتقالية، الذي يهدف إلى معالجة الإرث الثقيل للانتهاكات عبر إجراءات قانونية تضمن المحاسبة وتحفظ حقوق الضحايا، وتسهم في بناء الثقة بالمؤسسات القضائية في المرحلة الجديدة. وقد أشار قاضي التحقيق توفيق العلي إلى إمكانية تعميم مذكرات التوقيف عبر جهاز الشرطة الدولية (الإنتربول) لملاحقة الفارين دولياً .
ومع ذلك، يواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا تحديات قانونية، أبرزها أن سوريا ليست عضواً في نظام روما الأساسي، المعاهدة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية. هذا يعني أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك ولاية قضائية على الجرائم المرتكبة في سوريا، مما يجعل الاعتماد على القضاء الوطني السوري هو المسار الأساسي لتحقيق العدالة في الوقت الراهن .
تُشكل هذه المذكرات خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وتعكس التزام السلطات الجديدة بإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب وبناء دولة القانون في سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى