“ليست مجرد حوادث فردية”: ما الذي كشفته جرائم قتل الأزواج عن واقع السوريين اليوم؟

لم تعد أخبار الجرائم الأسرية في سوريا مجرد حوادث عابرة تُطوى بانتهاء مراسم الدفن؛ بل تحولت إلى “مرآة قاسية” تعكس شروخاً عميقة في بنية المجتمع السوري بعد سنوات من الحرب والضغط النفسي والاقتصادي. فبين السمّ، والحقن، والسلاح الأبيض، تنوعت الوسائل والنتيجة واحدة: “انهيار قدسية الرابط الزوجي”.
لقد شهدت الآونة الأخيرة سلسلة من الحوادث الصادمة؛ من امرأة في “الدانا” بريف إدلب تقتل زوجها وتمزق جثته، إلى أخرى في حلب تنهي حياة شريكها بحقن “الأنسولين” القاتلة، وصولاً إلى زوجة تبيع مصاغها لتشتري سلاحاً تقتل به زوجها. هذه الوقائع، التي تبدو كأنها مقتبسة من أفلام الرعب، تطرح سؤالاً جوهرياً حول ما الذي يدفع “شريك الحياة” ليتحول فجأة إلى “قاتل”.
على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً “فيسبوك”، انقسم السوريون بين الصدمة والسخرية المرة. ويرى مختصون أن هذه السخرية ليست “قلة احترام” للضحايا بقدر ما هي “آلية دفاع نفسية” للتكيف مع أخبار تفوق قدرة العقل على الاستيعاب. إلا أن خبراء يحذرون من هذا المنحى، معتبرين أن تحويل الألم إلى “مادة للتهكم” يعكس تراجع الرادع الأخلاقي وضعف الحساسية تجاه الوجع الإنساني نتيجة الاعتياد الطويل على مشاهد العنف.
من جانبه، يرى استشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الفتاح الحميدي أن هذه الجرائم ليست “فعل لحظة” عابرة، بل هي ذروة تراكمات من العنف والإذلال النفسي الممتد. ويضيف أن الشعور بالعجز وغياب المؤسسات التي تحمي المرأة قد يدفعها أحياناً لسلوك عنيفي تراه -من منظورها النفسي المأزوم- وسيلة دفاعية أخيرة لإنهاء مصدر التهديد، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية هائلة تضعف قدرة الأفراد على إدارة الصراعات بطريقة صحية.
وفي محاولة لمواجهة هذا الانهيار الأسري، يدعو الدكتور محمد هاني الشعال، مدير مركز “إعفاف” للإصلاح الأسري، إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالمعالجة القانونية بعد وقوع الجريمة، بل بالذهاب نحو “الوقاية الاستباقية”. ويشير إلى أن 80% من الشباب يفتقرون للوعي بأساسيات الحياة الزوجية، مطالباً بتبني تجارب دولية تمنع إبرام عقد الزواج قبل الحصول على “شهادة تأهيل”، لضمان إدراك الطرفين لحقوقهما وواجباتهما القانونية والشرعية قبل فوات الأوان.
يبقى الرهان اليوم على مبادرات مجتمعية مثل مشروع “مصلح أسري في كل حي” لتقريب المسافة بين العائلات والمختصين، وتحويل طلب المشورة الأسرية إلى سلوك طبيعي يحمي المجتمع من التفكك. إن هذه الجرائم هي صرخة مكتومة تستوجب الانتقال من دور “المتفرج” إلى دور “المصلح”، قبل أن يلتهم العنف ما تبقى من أمان داخل البيوت السورية.
بتصرف عن تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى