هل هيمنت السلفية في سوريا الجديدة ؟ … مرهف مينو

 

مع سقوط نظام الأسد البائد ، لا تبدو معركة إعادة بناء الدولة السورية محصورة في المؤسسات السياسية والأمنية ، بل تمتد ، بالقدر نفسه من الأهمية ، إلى المجال الديني الذي ظل لعقود خاضعاً للتوظيف السياسي والرقابة الأمنية.

يتكرر السؤال : هل تتجه سوريا الجديدة نحو هيمنة السلفية على المزاج الديني ، أم أن المشهد سيبقى مفتوحاً أمام تعددية دينية وفكرية أوسع ؟

من المبكر تقديم إجابة قاطعة عن هذا السؤال . فالسلفية ليست تياراً واحداً متجانساً ، بل تضم اتجاهات متعددة تختلف في رؤيتها للسياسة والمجتمع والدولة.

كما أن حضور بعض الخطابات أو الشخصيات السلفية في المشهد العام لا يعني بالضرورة أن هذا التيار بات مهيمناً على المجال الديني أو قادراً على احتكاره.

لكن تجاهل تنامي الحضور السلفي ، في المقابل ، لا يقلل من أهمية النقاش . فالفترات الانتقالية ، بما تحمله من فراغ مؤسساتي واضطراب اجتماعي وانقسام ، تتيح للتيارات الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة أن تملأ المساحات العامة.

وقد تجد بعض الخطابات الدينية المتشددة طريقها إلى المجتمع عبر المنابر ووسائل التواصل والمؤسسات التعليمية ، خصوصاً في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وغياب رؤية واضحة لإدارة الشأن الديني.

المشكلة لا تكمن في وجود تيار ديني بعينه ، بل في احتمال تحوّل أي تيار إلى مرجعية وحيدة تفرض تصورها على المجتمع والدولة.

فاحتكار المزاج الديني لا يقل خطورة عن احتكار المجال السياسي ، لأنه يضيّق مساحة الاختلاف ، ويحوّل قضايا الإيمان والأخلاق إلى أدوات للوصاية والرقابة الاجتماعية.

ربما تحتاج سوريا الجديدة إلى مؤسسة دينية مستقلة عن السلطة السياسية – معروفة الخلفية – ، وقادرة في الوقت نفسه على تمثيل التنوع الديني والفكري في البلاد.

كما تحتاج إلى خطاب ديني يواجه التطرف من دون أن يتحول إلى أداة قمع ، ويحافظ على القيم الدينية من دون فرض نمط واحد للحياة على جميع السوريين.

إن مستقبل المجال الديني في سوريا لن تحدده قوة تيار واحد فقط حتى لو كان مالكا للسلطة ، بل طبيعة الدولة التي ستنشأ بعد المرحلة الانتقالية.

فإذا قامت الدولة على المواطنة والقانون والتعددية ، فلن يكون بمقدور أي تيار احتكار المجال العام.

أما إذا بقيت المؤسسات ضعيفة ، وظل المجتمع منقسماً ، فقد تتحول السلفية أو غيرها إلى البديل الأكثر حضوراً وتنظيماً.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس : هل هيمنت السلفية؟ بل : هل ستنجح سوريا في بناء مجال ديني تعددي ، يمنع احتكار الخطاب ، ويضمن حرية الاعتقاد والطرح ، ويفصل بين الدعوة الدينية وإدارة الدولة ؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون مؤشراً أساسياً إلى طبيعة سوريا الجديدة ، وإلى ما إذا كانت قادرة فعلاً على تجاوز إرث الاستبداد والانقسام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى