
مولانــــا … تفوق الممثل على “الثورجي”
فارس الحلو يعيد ترتيب الصفوف الأولى في الدراما السورية
بعد غياب دام قرابة خمسة عشر عاماً، عاد الفنان القدير فارس الحلو ليثبت أن الموهبة الحقيقية لا تصدأ بالغياب، بل تزداد نضجاً وعمقاً.
لم يكن مجرد ظهور عابر، بل كان حسب نقاد “زلزالاً درامياً” أعاد رسم خريطة النجومية في الموسم الرمضاني الحالي.
في مسلسله الأخير “مولانا”، استطاع الحلو أن يسرق الأضواء من الجميع، متفوقاً بأداء استثنائي على أسماء كانت تعتبر ايقونات في الدراما السورية بلا منازع، كـ بسام كوسا و جمال سليمان، ليحجز لنفسه مكاناً منفرداً في الصدارة.
رحلة المنفى والبحث
بدأت رحلة فارس الحلو مع المنفى في أواخر عام 2011، حين غادر سوريا متوجهاً إلى فرنسا بعد أن كان من أوائل الفنانين الذين جهروا بمواقفهم السياسية وانخرطوا في الحراك الشعبي بدمشق.
لم يكن خروجه مجرد تغيير للجغرافيا، بل كان انتقالاً إلى مرحلة من القلق والبحث عن الهوية الفنية في بلاد الغربة، وهو ما وثقه الفيلم “ممثّل خرج عن النص” (2019) للمخرج رامي فرح، الذي صور حالة القلق والذاكرة السورية والبحث المستمر عن دور للفنان في ظل التحولات الكبرى.

خلال سنوات إقامته في فرنسا، لم ينقطع الحلو عن نشاطه الفني والثقافي، بل استطاع اختراق جدار العالمية من خلال مشاركات لافتة في السينما والدراما الفرنسية والأوروبية.
برز حضوره العالمي الأول في المسلسل الفرنسي الشهير “مكتب الأساطير” (Le Bureau des Légendes) بين عامي 2015 و2016، حيث جسد شخصية “هاشم الخطيب”، وهو رجل أعمال سوري مرتبط بالمخابرات في باريس، في عمل يعد من أبرز إنتاجات قناة “Canal+” العالمية.
توالت أعماله في باريس، وشارك في فيلم “المترجم” The Translator عام 2020، وهو إنتاج سوري-أوروبي تناول قصة البحث عن المعتقلين في سوريا، وجسد فيه دور “جاد”.
في عام 2024، أطل في الفيلم الفرنسي “البرابرة” Les Barbares للمخرجة العالمية جولي دلبي، حيث لعب دور “الجد”، وهو شاعر وكاتب سوري لاجئ في قرية فرنسية، في عمل ناقد يتناول ازدواجية المعايير الأوروبية تجاه قضايا اللجوء بأسلوب يمزج بين الكوميديا والسوداوية.
الصفوف الأولى لم تعد حكراً على أحد
المفاجأة الكبرى كانت في رمضان 2026، حين أطل فارس الحلو بشخصية “العقيد كفاح” في مسلسل “مولانا”.
لم يكن الجمهور يتوقع أن يعود القنان الذي ارتبطت صورته لسنوات بالأدوار الكوميدية الساخرة، ليقدم شخصية “ضابط أمني” نافذ بهذا العمق والقسوة والبراعة المذهلة.
لقد استطاع الحلو أن يتقمص روح “الجلاد” أو “رجل السلطة” لدرجة جعلت المشاهد ينسى تماماً مواقفه السياسية المعارضة الثورية التي عرف بها طوال العقد الماضي، ويندمج تماماً مع الشخصية الدرامية التي يراها على الشاشة.
أثار هذا التحول الدرامي نقاشاً واسعاً بين النقاد والمشاهدين على حد سواء. فبينما كان البعض يتوقع تراجعاً في أدائه بسبب طول الانقطاع عن البيئة الدرامية السورية المحلية، جاء رده عملياً ومبهراً.
استطاع بأدائه الرصين والعميق أن يزيح عمالقة الصف الأول من صدارة المشهد، متجاوزاً “جوكر الدراما” بسام كوسا في قدرته على التجدد، ومتفوقاً على جمال سليمان في “كاريزما” الحضور، ليعلن أن الصفوف الأولى للممثل السوري لم تعد حكراً على أحد، وأن “العقيد كفاح” قد أعاد ترتيب الكراسي في الدراما السورية من جديد.
يبقى فارس الحلو نموذجاً للفنان الذي استطاع أن يوازن بين الموقف المبدئي وبين الاحترافية الفنية العالية، مؤكداً لنا أن الفن الحقيقي هو الذي يستطيع “إقناع” الجميع بجودته وصدقه ، وهو ما حققه بجدارة في عودته المدوية التي ستبقى علامة فارقة في تاريخ الدراما السورية المعاصرة.
جريدة أحوال – مصدر



