
سوريا تعلن استراتيجية شاملة لمكافحة المخدرات
تواجه سوريا، في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، تحدياً واسعاً في مكافحة المخدرات والكبتاغون، بعدما تحولت هذه الآفة خلال السنوات الماضية من مجرد تجارة غير مشروعة إلى اقتصاد جريمة منظم ارتبط بشبكات أمنية وعسكرية وإدارية، وامتد تأثيره إلى الداخل السوري ودول الجوار على حد سواء.
وفي هذا السياق، تتجه الدولة السورية اليوم إلى مقاربة جديدة تقوم على الجمع بين الحزم الأمني والمعالجة الصحية والاجتماعية، ضمن حملة وطنية تحمل عنوان “سوريا دون مخدرات”، بهدف تفكيك شبكات التهريب والترويج، وتوسيع برامج العلاج والتأهيل، وإعادة دمج المتعافين داخل المجتمع.
وجاء الاجتماع الذي عقد بين وزير الداخلية أنس خطاب ووزير الصحة مصعب العلي، في 21 حزيران الجاري، ليؤسس لمسار تنسيقي بين الوزارتين، ضمن خطة وطنية متكاملة تتجاوز المعالجة التقليدية للملف، وتربط بين الأمن والوقاية والعلاج والتوعية. وبحسب ما أعلنت وزارة الداخلية، فقد ركز اللقاء على توحيد الجهود وتطوير استراتيجيات عمل مشتركة من شأنها الحد من انتشار المخدرات ومواجهة تداعياتها الاجتماعية والصحية.
وتعمل الحكومة، وفق هذا التوجه، على إطلاق استراتيجية وطنية للأعوام 2026 – 2030، تقوم على ربط الجهد الأمني بالاستجابة الصحية، عبر تضييق الخناق على شبكات التهريب، ورفع كفاءة مراكز علاج الإدمان، وتوسيع قدرتها الاستيعابية، إلى جانب تعزيز برامج الوقاية وتقليل الضرر وإدماج خدمات العلاج ضمن الرعاية الصحية الأولية.
كما عُقدت ورشة وطنية موسعة بمشاركة جهات حكومية وأهلية عدة، بهدف تنسيق الرؤى وصياغة خطة شاملة للتصدي لآفة المخدرات، في إطار تحضيرات الحملة التوعوية الوطنية. وناقش المشاركون آليات تكامل الأدوار بين المؤسسات الأمنية والصحية والتربوية والدينية والاجتماعية، بما يجعل مكافحة المخدرات مسؤولية جماعية لا حكراً على جهاز واحد.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إن الحملة تشارك فيها وزارات عدة، بينها الداخلية والصحة والأوقاف والتربية والتعليم والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية والعمل، مشدداً على أن الجهد الأمني يبقى أساسياً، لكنه لا يكفي وحده من دون شق مجتمعي وتوعوي يحمى الأجيال الناشئة من الوقوع في الإدمان.
وأضاف البابا أن المتعاطي يُنظر إليه باعتباره ضحية بحاجة إلى علاج ورعاية، لا مجرماً فقط، موضحاً أن الحملة تنقسم إلى محورين: الأول مكافحة شبكات التهريب والترويج، والثاني علاج المدمنين وإعادة دمجهم في المجتمع. وأكد أن مدة الحملة سنة كاملة، على أن تكون خاتمتها الوصول إلى “سوريا دون مخدرات”.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن إدارة مكافحة المخدرات كثفت عملياتها خلال الأشهر الماضية، بالتنسيق مع دول الجوار، ولا سيما العراق والأردن وتركيا ولبنان، في إطار تعاون أمني واستخباراتي يهدف إلى ضرب خطوط الإمداد الإقليمية. وأسفرت هذه العمليات عن ضبط ملايين الحبوب المخدرة وكميات كبيرة من الحشيش والمواد الأولية، إضافة إلى تفكيك شبكات دولية ومحلية.
وفي إحدى أبرز العمليات الأخيرة، أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيك شبكة دولية لتهريب المخدرات بالتنسيق مع العراق، وضبط نحو 800 ألف حبة كبتاغون و60 كيلوغراماً من الحشيش في حمص ودير الزور، بينما أعلنت السلطات العراقية ضبط 200 كيلوغرام من المواد المخدرة داخل العمق السوري. كما كشفت الوزارة عن عمليات أخرى خلال الأشهر الماضية شملت مصادرة ملايين الحبوب وتوقيف أفراد من شبكات تهريب عابرة للحدود.
وتقول السلطات السورية إن هذه الجهود تأتي في إطار استعادة الوظيفة السيادية للدولة، بعد أن تحولت المخدرات في عهد النظام السابق إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي وأمني. فالمواجهة الحالية، وفق هذا المنظور، لا تستهدف المخدرات بوصفها ظاهرة جنائية فحسب، بل تتعلق أيضاً بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتجفيف منابع اقتصاد الجريمة الذي تغذّى لسنوات على الفوضى والفساد والحماية الرسمية.
كما تراهن دمشق على أن الجمع بين الردع الأمني والعلاج الطبي والتوعية المجتمعية سيمنحها فرصة واقعية لتقليص حجم الظاهرة، خصوصاً مع استمرار التعاون مع المنظمات الدولية المختصة، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، من أجل تطوير برامج علاجية ورصدية أكثر فاعلية.
وفي المحصلة، تبدو مكافحة المخدرات اليوم واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في سوريا الجديدة، لأنها تمس الأمن الداخلي والصحة العامة والعلاقات الإقليمية في آن واحد. وبين مداهمات الأمن، وبرامج العلاج، والتنسيق مع دول الجوار، تحاول الدولة رسم مسار طويل الأمد يضع حداً لإرث ثقيل من التصنيع والتهريب والإدمان، ويؤسس لمرحلة مختلفة عنوانها: سوريا بلا مخدرات.
الثورة – مصدر



