
“شام كاش”: مقصلة إلكترونية لرواتب السوريين.. ثغرات أمنية، نهب ممنهج، وتبخر للأرصدة
تحقيق مصدر
تحت مسمى “التحول الرقمي” و”تسهيل الدفع الإلكتروني”، وجد مئات آلاف السوريين أنفسهم مكبلين داخل زنزانة تقنية تدعى “شام كاش”. هذا التطبيق الذي فُرض قسراً على الموظفين والعمال لصرف رواتبهم، تحول في أشهر قليلة من “حل تقني” إلى “كابوس مالي” يلتهم مدخرات الناس ويهدد خصوصيتهم وسط صمت مطبق من الجهات الرقابية.
فرض قسري واستغلال للمحتاجين
لم يكن انتشار “شام كاش” وليد جودة الخدمة، بل كان نتيجة “إرهاب إداري” ألزم الموظفين بفتح حسابات فيه كسبيل وحيد للحصول على لقمة عيشهم. شهادات الموظفين في دمشق وحمص واللاذقية تؤكد أنهم “ساقوا” إلى هذا التطبيق سوقاً، ليجدوا أنفسهم أمام شبكة من الوكلاء الذين يمارسون “البلطجة المالية” عبر اقتطاع عمولات تتراوح بين 4% و5% من قيمة الراتب، وهو ما يعد سرقة علنية لجهد الموظف تحت مسمى “عمولة سحب”.
ثقب أسود للأموال: أين تختفي الأرصدة؟
الحالات الصادمة التي وثقها المتضررون تكشف عن “ثقوب سوداء” داخل المنظومة التقنية للتطبيق. في حمص، تروي إحدى الموظفات بحرقة كيف “تبخر” مبلغ 375 ألف ليرة من حسابها بين ليلة وضحاها، لتصطدم بجدار من الإنكار من قبل شركة الحوالات وإدارة التطبيق. هذه ليست حالة فردية، بل هي نهج يتكرر مع غياب أي آلية واضحة لاسترداد الأموال الضائعة، مما يطرح تساؤلات مشروعة: من المستفيد من هذه “الأخطاء التقنية” التي تصب دائماً في مصلحة الشركة وتخصم من جيب المواطن؟
أمن مهترئ وتحذيرات من “برمجيات ضارة”
فضيحة تقنية أخرى تلاحق التطبيق، وهي غيابه عن المتاجر الرسمية مثل “غوغل بلاي”، مما يضطر المستخدمين لتحميله من روابط مباشرة تطلق عليها أنظمة الهاتف تحذيرات بأنها “برمجيات قد تكون ضارة”. ورغم تبريرات الشركة بأنها “تحديثات”، إلا أن التوقف المفاجئ للخدمة لساعات وأيام يثير رعب المستخدمين من احتمالية “الاختراق” أو “الهروب بالأموال”، خاصة وأن المنصة غير مرتبطة بأي نظام مالي عالمي يضمن حقوق المودعين.
تجميد الحسابات: سلاح الترهيب المالي
تحول “تجميد الحسابات” إلى سيف مسلط على رقاب المستخدمين، حيث يشتكي الكثيرون من إغلاق حساباتهم فجأة دون سابق إنذار أو تبرير مقنع، لتبدأ رحلة العذاب بين مكاتب البريد ومراكز الخدمة التي لا تملك سوى “الوعود العرقوبية”. هذا السلوك يعكس عقلية “الجباية” لا “الخدمة”، حيث يتم التعامل مع أموال الناس كرهائن داخل التطبيق.
صرخة المتضررين: “هل يوجد كاش؟”
في حماة ودير الزور، يختصر المواطنون مأساتهم بسؤال واحد: “هل يوجد كاش؟”. فالتطبيق الذي يدعي “الرقمنة” يفشل في أبسط اختباراته وهو توفير السيولة، مما يضطر الناس للوقوف في طوابير ذليلة أمام مكاتب الصرافة، ليدفعوا في النهاية ضريبة “التحول الرقمي” من أعصابهم وأموالهم.
إن ما يحدث في “شام كاش” ليس مجرد “تعثر تقني”، بل هو جريمة اقتصادية متكاملة الأركان، تُمارس ضد شعب منهك، وتحت غطاء رسمي يشرعن النهب الإلكتروني. فهل ستتحرك الجهات المعنية لوقف هذه “المقصلة”، أم أن مصالح “حيتان المال” خلف التطبيق أقوى من أنين الموظفين؟
.
.
.



