من خلف زجاج سيلا.. هندسة حذاء ميسي … زكي الدروبي٠

لم أكتفِ بمراقبة ميناء هارفن من خلف زجاج سيلا، بل كنت أسير في المحيط أتابع حركة الشاحنات والحاويات والأحواض الأخرى في المنطقة، كحوض آيسلهافن (IJselhaven) المخصص للعصير السائل مثلاً. هناك حيث تقع شركة (HIWA) التي تستقبل عصير البرتقال المركز الذي تشتهر به شركة (Citrosuco) البرازيلية العالمية.

كانت المسافة إليه سيراً على الأقدام من سكني في سيلا لما يقارب من نصف ساعة تقريباً، وكنت من محبي المشي، لكن أكثر ما يعيقني كان هو الحذاء؛ فأشعر بالارتجاج الناجم عن اصطدام الكعب بالأرض يخرج من رأسي، وكان يسبب لي ألماً.

في محلات الأحذية الرياضية، كنت أجد الأحذية الرياضية المتنوعة التي تحمل شعارات الشركات الكبرى من أديداس ونايكي وغيرها، وكان نعلها سميكاً، ويحتوي على فراغات هوائية أو وسائد طرية، تساعد على امتصاص آثار ارتطام الكعب بالأرض وتريح القدم، لكن أسعارها المرتفعة أبعدت هذه المنتجات من ذهني بذلك الوقت، ودفعتني للاعتماد على الدراجة الهوائية بدلاً من المشي.

المنجنيق المتنقل:

دفعتني هذه المنتجات للبحث عن التكنولوجيا التي تحملها، لأجد أن نايكي أطلقت في عام 2017 مشروعها السري (Breaking2) في رياضة ألعاب القوى، حيث استبدلت الهلام والفراغات الهوائية الموجودة في كعب الحذاء بهدف حماية المفاصل والركبة من آثار ارتطام الكعب بالأرض، برغوة “نانوية فائقة الخفة” بوزن يشبه وزن الريشة، بما سمح أن يكون الحذاء خفيفاً جداً، وبنفس الوقت يكون الكعب سميكاً. ووضعت نايكي بداخل الرغوة صفيحة كاملة منحنية من ألياف الكربون، مما حول التقنية من مجرد الحماية إلى مدفع؛ فالرغوة تنضغط كمكبس هيدروليكي، وتمنع الصفيحة الكربونية من انحناء الأصابع، فيستعيد المتسابق أكثر من 85% من طاقة ضرب قدمه بالأرض، وقلل من جهده العضلي بنسبة 4%، فأعطى اللاعب تسارعاً غير طبيعي وأفضلية عن غيره في المسافات القصيرة.

رد الفيفا وتحايل أديداس:

انتبهت (FIFA) سريعاً لما وصفته بـ “المنشطات التكنولوجية” (Technology Doping)، وتدخلت عبر تحديث صارم للمادة 4 من قوانين اللعبة، وفيه وضعت حداً أقصى لسماكة الكعب؛ كي تمنع الحشو المبالغ فيه للرغوة الارتدادية التي ترفع اللاعب عن الأرض بشكل غير طبيعي، ومنعت وضع أكثر من صفيحة كربونية واحدة داخل النعل؛ لتخفيف “الارتداد الهيدروليكي المضاعف” وإيجاد عدالة في اللعب.

لكن أديداس ابتكرت حلاً هندسياً استطاعت الالتفاف من خلاله على قيود الـ (FIFA)؛ فإن كانت قد منعت تكدس أكثر من صفيحة كربونية في النعل، فقد حاكت الهيكل العظمي لقدم الإنسان، وابتكرت تقنية “أصابع الكربون” بدلاً من وضع صفيحة كاملة مستقيمة. وتتألف هذه التقنية من 5 قضبان كربونية منفصلة توازي عظام مشط القدم تماماً. سمح هذا الابتكار لقدم اللاعب بالانثناء والالتواء بشكل طبيعي وحر في المنعطفات، بعكس الصفيحة المسطحة التي قدمتها نايكي والتي هدفت إلى زيادة سرعة اللاعب، وهو ما سمح بدفع ميكانيكي مستقل لكل إصبع، مع الالتزام الحرفي بالقانون كونه لا يُصنف قانونياً كـ “صفيحة مسطحة مكدسة”.

كانت هذه الهندسة واضحة بشدة خلال نصف النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا؛ ففي هدف التعادل، استخدم إينزو فرنانديز حذاء (Nike Mercurial Vapor 16) المزود بصفيحة كربون طولية منعت هدر طاقته العضلية ليركز القوة بالكامل في تسديدته الصاروخية، بينما استغل القناص لاوتارو مارتينيز حذاء (Nike Phantom GX 2) الذي يدمج نعل الكربون مع وجه نسيجي لاصق (Gripknit)؛ ليحصل على قاعدة ارتكاز صلبة منحت كاحله ثباتاً فائقاً للارتقاء وتسجيل رأسية الفوز القاتلة.

حذاء الملك الحصري:

في وسط كل هذه الأسلحة التكنولوجية، قدمت أديداس حذاءً فُصِّل خصيصاً على مقاس ليونيل ميسي، سُمِّي الحذاء بـ (Adidas F50 “Triunfo Estelar”)؛ أي “الانتصار النجمي” أو “الفوز السماوي الفاخر” (حيث تعني كلمة Triunfo “انتصار”، وكلمة Estelar تعني “متعلق بالنجوم أو الفضاء”)، حيث تم إجراء مسح ثلاثي الأبعاد لقدمه كي يقفل لسان الحذاء عليها، ويثبت كعبه، ويمنع أي انزلاق داخلي. واستُوحي بالكامل من حذاء (Adidas F50.6 TUNIT)، وهو الحذاء التاريخي نفسه الذي ارتداه ميسي الشاب ذو الـ 18 عاماً عندما سجل أول أهدافه في مونديال ألمانيا عام 2006.

راعى مصممو الحذاء العمر الذي وصل إليه ميسي؛ فقد جعلوا صفيحة الكربون مرنة لتساعده في المشي أو الركض الخفيف موفرة له الراحة، ولتصبح صلبة حين يرتكز ميسي بقدمه للالتفاف المفاجئ، مما يمنع التواء الكاحل ويوجه الطاقة فوراً للمراوغة والتسارع اللحظي في المساحات الضيقة.

كما وضعت بروزات مجهرية على وجه الحذاء تشبه تكنولوجيا “أبو بريص” المستخدمة مع قفازات حراس المرمى، وبهذا تساعد على بقاء الكرة ملتصقة بقدمه، وأمّنت له الدقة في صناعة هدفي الفوز على إنجلترا.

معركة ملعب نيو جيرسي – نيويورك:

لن يكون يوم الأحد 19/7/2026 مجرد مباراة نهائية في مونديال 2026، بل سيكون ساحة معركة تقنية بين حذاء الأسطورة ميسي الحصري الذي صُمِّم ليلائم ذوقه وعمره، وليعطيه المرونة والتحكم وتوزيع المجهود بذكاء، وحذاء المعجزة لامين يامال الإسباني الذي سيرتدي نفس الحذاء القياسي للسلسلة نفسها (Adidas F50). لكن الفرق سيكون في أن يامال سيرتدي النسخة التجارية العامة (Hyperfast Elite) التي يرتديها الكثير من اللاعبين الآخرين مثل: (محمد صلاح، وفيتينيا، ورافائيل لياو)، وقد صُمِّم ليخدم عضلات الشباب المنفجرة، فيأتي بنعل كربوني كامل وأكثر صلابة وقساوة، ليكون أشبه بمدفع يساعد يامال على الانطلاق في الجناح وبسرعة قصوى في المسافات الطويلة. بينما تم تفصيل حذاء من نفس السلسلة لميسي بمواصفات خاصة به، ولم يُطرح في الأسواق ولم يلبسه لاعب غيره.

نحن لسنا أمام مباراة نهائية لكرة القدم، بل أمام مواجهة كبرى بين حكمة الشيوخ والهندسة المرنة التي خُصِّصت لـ “آخر راقصي التانغو”، وبين قوة الصلابة الكربونية للشباب المندفع ليكتب صفحة جديدة من صفحات تاريخ لعبة كرة القدم.

 

 

٠مدرب واستشاري أعمال في الملكية الفكرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى