قناص الفرص في أرض الأسئلة: كيف يقرأ ساويرس مستقبل سوريا الاقتصادي؟…علي فجر المحمد

لم يأتِ نجيب ساويرس إلى دمشق كسائح سياسي، ولا كرجل أعمال يبحث عن صورة تذكارية قرب الجامع الأموي أو داخل قصر الشعب. الرجل الذي أمضى عقوداً في مطاردة الفرص داخل المناطق المغلقة والمحفوفة بالمخاطر يعرف جيداً أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ حين تستقر البلاد، بل عندما يبدأ العالم بالتفكير في احتمالية استقرارها.

لهذا بدت زيارته إلى سوريا أكثر من مجرد حدث اقتصادي عابر. بل هي إشارة مبكرة على أن البلاد دخلت رادار رأس المال العربي مجدداً، ليس بوصفها ملفاً إنسانياً أو ساحة لإعادة الاعمار، بل كسوق ضخمة لم تُفتح بعد بالكامل.

ساويرس لا يتحرك بعقلية المستثمر التقليدي. الذي ينتظر اكتمال المشهد: قوانين مستقرة، مصارف موثوقة، شركات تأمين قوية، وتصنيفات ائتمانية آمنة. أما ساويرس، فيبدو أنه يفضل الوصول قبل الجميع، حين تكون المخاطر مرتفعة، لكن الأسعار منخفضة، والفرص بلا ازدحام.

سوريا اليوم ليست دولة خارجة من أزمة عابرة، بل بلد يعيد تعريف اقتصاده بالكامل. البنية التحتية تحتاج إلى إعادة بناء، المدن تغيّرت، السوق الاستهلاكية تبدلت، وحتى شكل الاستثمار نفسه لم يعد كما كان قبل الثورة. وهذا تحديداً ما يجذب رجال الأعمال الذين يجيدون العمل داخل البيئات المعقدة.

من يتابع مسيرة ساويرس يعرف أن الرهان على المناطق الصعبة ليس جديداً عليه. استثمر في أسواق دخلها كثيرون مترددين “العراق وكوريا الشمالية وغيرها”، وقرأ فرصاً في أماكن كان العالم منشغلاً بالتحذير منها. فلسفته تبدو بسيطة: حين يخاف الجميع، تبدأ المساحة المتاحة لمن يملك الجرأة والسيولة والصبر.

لكن سوريا ليست مجرد مغامرة مالية باردة. هناك ما هو أبعد من الحسابات الرقمية. فالعلاقة السورية المصرية، وحضور السوريين داخل الاقتصاد المصري خلال سنوات الحرب، خلقت نوعاً من التقارب الاقتصادي والاجتماعي الذي يجعل دخول رجال أعمال مصريين إلى دمشق مختلفاً عن أي استثمار خارجي آخر.

اللافت أيضاً أن ساويرس لم يتحدث بلغة المستثمر المتحفظ. لم يستخدم تعبيرات دبلوماسية باردة، بل تحدث عن “سوريا المستقبل”، وعن فرص “أكبر من أن يستغلها مستثمر واحد”. وهذه ليست مجرد عبارات إعلامية، بل رسائل موجهة إلى السوق العربية بأكملها: السباق على سوريا بدأ مبكراً.

ورغم ذلك، فإن الطريق لن يكون سهلاً. فالدخول إلى السوق السورية اليوم يحتاج أكثر من رأس مال. يحتاج إلى فهم سياسي، ومرونة قانونية، وقدرة على تحمل بيئة اقتصادية ما تزال قيد التشكل. المستثمرون الذين سيأتون إلى دمشق لن يشتروا أرباحاً سريعة، بل سيشترون رهانات طويلة الأمد.

وربما هنا تحديداً تكمن قصة ساويرس مع سوريا.

 

مدير التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى