
الدراما السورية: الوجه الآخر للواقعية.. انتقادات ومآخذ
في الوقت الذي يُحتفى فيه بـالدراما السورية كنموذج للواقعية والصدق الفني الذي عبر الحدود، هناك تيار نقدي موازٍ يرى أن هذا الإطار الإيجابي يخفي وراءه تراجعاً في الجودة، وضياعاً في الهوية، وانزلاقاً نحو أنماط فنية مثيرة للجدل، خاصة في السنوات التي تلت عام 2011.
تراجع الجودة وضياع الهوية
يُعد التراجع في مستوى الإنتاج الفني أحد أبرز الانتقادات الموجهة للدراما السورية. فبعد فترة الازدهار التي سبقت عام 2011، يرى النقاد أن الدراما دخلت في مرحلة من “الموت السريري” . ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل هيكلية:
- تشرذم الكوادر الإبداعية: أدت الأزمة السياسية إلى انقسام حاد في الوسط الفني، وهجرة عدد كبير من الكتاب والمخرجين والممثلين البارزين، مما أثر سلباً على جودة النصوص والرؤى الإخراجية .
- الرقابة والتبعية: يرى البعض أن الدراما السورية أصبحت مقيدة بـرقابة أمنية مشددة، مما حد من قدرتها على معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية الحقيقية بعمق ومصداقية، وجعلها تبتعد عن دورها كـ”مرآة للواقع” لتصبح أداة لتقديم رؤى أحادية الجانب .
الجرأة المفرطة والواقعية المشوهة
فيما يُشاد بالدراما السورية لواقعيتها، يوجه إليها انتقاد آخر يتعلق بـالواقعية المفرطة التي تصل إلى حد الجرأة غير المبررة. فقد انزلقت بعض الأعمال، خاصة تلك التي تصور بيئة العشوائيات أو الجريمة، نحو استخدام لغة سوقية وشتائم ومشاهد عنف مبالغ فيها .
يرى المخرج السينمائي المهند كلثوم أن الدراما السورية “تحلّت بالجرأة المفرطة غير المبرّرة، من خلال استخدام الشتائم والحركات غير اللائقة” .
هذا النوع من “الدراما الغرائزية” يُتهم بأنه يسعى إلى جذب المشاهد عبر الصدمة والإثارة بدلاً من المعالجة الفنية العميقة، مما يساهم في تطبيع العنف وتشويه صورة الواقع بدلاً من نقده .
التنميط الاجتماعي والابتعاد عن القضايا الجوهرية
انتقدت بعض الآراء الدراما السورية لـتنميطها لبعض الفئات الاجتماعية أو الطوائف، وتقديمها بصورة نمطية أو غير واقعية، مما يعكس عدم القدرة على اختراق التابوهات الاجتماعية أو عدم الرغبة في ذلك . كما يرى البعض أن الدراما في السنوات الأخيرة حاولت “التغريد خارج سرب الواقع السوري”، متجهة نحو قصص لا تحاكي الظروف والأحداث التي يعيشها السوريون فعلاً، في محاولة للهروب من الواقع المؤلم أو لتجنب الرقابة .
التبعية للتمويل الخارجي
أدى تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي، وخاصة من القنوات والشركات الخليجية، مما دفع الدراما السورية إلى تبني نمط الدراما المشتركة التي غالباً ما تفتقر إلى العمق السوري الخالص وتُجبر على تلبية متطلبات السوق العارضة، مما يهدد بضياع الهوية الفنية المميزة التي كانت تتمتع بها .
يمكن القول إن الدراما السورية، رغم تاريخها الحافل، تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالحفاظ على جودتها وصدقها الفني في ظل الظروف الراهنة. وبينما يرى البعض فيها مرآة للواقع، يرى آخرون أنها أصبحت تعكس واقعاً مشوهاً أو أنها تراجعت عن دورها الاجتماعي والمسؤولية الملقاة على عاتقها.
مصدر – خاص



