مشروع “صروح الساحل”: غطاء اقتصادي لأجندة انفصالية مشبوهة يقودها أسامة خليل يزبك

يمثل الإعلان عن انطلاق مشروع “شركة صروح الساحل للمساهمة والتنمية” من قبل أسامة خليل يزبك تحولاً جوهرياً في طبيعة النشاط الذي تمارسه الشخصيات المرتبطة بالنظام السوري السابق في مرحلة ما بعد التغيير. يتجاوز هذا المشروع، الموصوف في “البيان رقم 1”، حدود المبادرات الاقتصادية التقليدية ليطرح نفسه كأداة سياسية وقانونية تهدف إلى خلق واقع ديموغرافي واقتصادي منعزل في الساحل السوري، وهو ما يستدعي قراءة نقدية معمقة للأبعاد الكامنة خلف النصوص التنظيمية للمشروع.

ترتكز المبادرة في جوهرها على مفهوم “الاستثمار السيادي”، وهو مصطلح يحمل دلالات انفصالية واضحة؛ إذ إن السيادة مفهوم مرتبط بالدولة حصراً، واستخدامه في سياق شركة خاصة يهدف إلى إعفاء أبناء المنطقة من الالتزامات الوطنية الشاملة وربطهم بكيان موازٍ. كما أن التركيز على “الحصانة القانونية” للأصول ومنع بيعها لـ “أطراف غريبة” يمثل محاولة لشرعنة التمييز العقاري على أساس المنشأ أو الطائفة، مما يؤدي بالضرورة إلى تحويل الملكية العقارية من حق مدني إلى سلاح في صراع الهوية.

أما فيما يخص ديمقراطية التملك ونظام الأسهم منخفض القيمة (100 دولار)، فإن الهدف الحقيقي يتجاوز التمويل الاقتصادي إلى الرغبة في بناء قاعدة شعبية واسعة مرتبطة مصلحياً بالمشروع. هذا الارتباط المالي يحول المساهمين إلى شركاء في الأجندة السياسية للمبادرة، مما يوفر لأسامة يزبك غطاءً شعبياً يسهل استخدامه كأداة ضغط في أي مفاوضات سياسية أو أمنية مستقبلية مع الحكومة المركزية.

تتجلى خطورة هذا المشروع في قدرته على تقويض وحدة الأراضي السورية عبر ترسيم حدود اقتصادية غير مرئية. إن إنشاء نظام مالي ورقابي مستقل، وتوفير “غطاء قانوني” للنشاطات بعيداً عن مؤسسات الدولة، يضع المجتمع السوري أمام خطر “الفدرلة القسرية” التي لا تقوم على تفاهمات وطنية بل على فرض أمر واقع.

علاوة على ذلك، يساهم المشروع في تعميق الشرخ الطائفي عبر استخدام لغة “نحن” في مواجهة “الآخر”، مما يعزز مشاعر الخوف والارتياب لدى الأقليات ويدفعها نحو مزيد من الانغلاق. هذا التوجه لا يهدد السلم الأهلي فحسب، بل يفتح الباب أمام مخاطر قانونية ومالية جسيمة، حيث يغيب الرقيب الوطني عن عمليات جمع الأموال العابرة للحدود، مما قد يحول المبادرة إلى واجهة لعمليات غسيل أموال أو تمويل لأنشطة سياسية وأمنية مشبوهة تخدم أجندات ضيقة.

الارتباط بشخصية أسامة يزبك وتوجهاته

لا يمكن فصل مبادرة “صروح الساحل” عن السمات الشخصية والسياسية لأسامة خليل يزبك؛ فهي تمثل التجسيد العملي لخطابه “الأزموي” الذي يقتات على إثارة المخاوف الوجودية. يظهر يزبك في هذا المشروع كمهندس لعملية “هندسة البقاء” كما يصفها، وهي في الحقيقة هندسة للانفصال تهدف للحفاظ على نفوذ “فلول” النظام السابق عبر خلق معاقل اقتصادية محصنة.

تتسم شخصية يزبك بالراديكالية والانتهازية، حيث يستغل مشاعر القلق لدى أبناء طائفته ليقدم نفسه كقائد مؤسس لكيان جديد. إن إصراره على وصف الحكومة السورية الجديدة بـ “الاحتلال” وبث الشائعات حولها يهدف إلى خلق حالة من الاغتراب الوطني لدى سكان الساحل، مما يجعلهم أكثر تقبلاً لمشاريع الانعزال التي يطرحها. وبذلك، تصبح “صروح الساحل” هي الذراع المالي لهذا الفكر الانفصالي الذي يرى في تقسيم سوريا الوسيلة الوحيدة للحفاظ على المكتسبات الفئوية.

إن مبادرة “صروح الساحل” هي مشروع سياسي بامتياز يرتدي عباءة التنمية الاقتصادية. إنها تمثل تهديداً مباشراً لمستقبل سوريا كدولة موحدة، وتكرس نموذجاً خطيراً من “السيادة المناطقية” التي تقوم على الإقصاء والتمييز. إن التحليل المعمق لهذه المبادرة يكشف عن ضرورة التصدي لمثل هذه المشاريع التي تسعى لتمزيق النسيج الوطني تحت مسميات قانونية واستثمارية مضللة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى