جدل مسلسلات رمضان 2026.. دراما المعتقلات أم الحكايات الاجتماعية؟

شكل سقوط نظام الأسد مادة دسمة لصناع الدراما التلفزيونية، واعتبر ذلك حدثاً مفصلياً في تاريخ الإنتاج الروائي السمعبصري، إذ غدت الجهات الإنتاجية بعد التحرير على أهب الاستعداد لحياكة أقاصيص تلفزيونية حول حيثيات متنوعة، منها ما كان مستوراً خلف الكواليس، وتناقلته الألسن بسرية تامة، وٱخر كان مطموراً في ٱبار سحيقة القاع، واعتبر الحديث عنه لو تلميحاً رجزاً من عمل الشيطان، فدرج الناس على تجنب سردياته أو تجاهلهاً تخفيفاً من شدة وطأتها، فيبدو أن السقوط أسقط معه أقنعة سوداء، تخفي خلفها وقائع شنيعة، تشيب لها الولدان.

أما عن الموسم الدرامي الفائت 2025، وبصفته الموسم الرمضاني الأول بعد سقوط الأسد، فلم يسعف الزمن صناع المادة الدرامية للإبحار في خفايا الحقب السياسية الفائتة، إذ بلغت الفترة الزمنية بين سقوط النظام وحلول الشهر الفضيل أقل من ثلاثة أشهر، لذلك كانت المحاولات الدرامية خافتة، بذلت مجهوداً متواضعاً للاضاءة على بعض لحظات التحرير، وتغطية دهشة السوريين من هذا الحدث، وأخذ معظمها طابع الإضحاك والكوميديا، أما اليوم، وبعد مرور أكثر من عام، اتسمت التجارب بالنضج، وطبخت الحكايات على نار هادئة، فأفرزت تخصصاً في القراءة التاريخية، وعمقاً في توثيق حوادث حساسة، كانقلاب حافظ الأسد، وجرائم سرايا الدفاع في حماة، (السوريون الأعداء)، تأليف رافي وهبي وإخراج الليث حجو، وجرأة في تتبع دهاليز المحظور، كمعتقل صيدنايا، بأهوال بلوكاته، وفظاعة جدرانه، ورهبة الوقائع التي جرت خلف قضبانه، والتي تناولها (الخروج إلى البئر)، تأليف سامر رضوان، وإخراج محمد لطفي.

الراحة النفسية بعد صدمة الحرب

وبعد أربع عشرة سنة من حرب ضروس، أثقلت كاهل السوريين بكل أصناف العذاب، فتحول الخوف إلى استجابة سلوكية ملازمة لكل سوري اختار البقاء في الداخل، توجس يومي من انفجارات متواترة، وقذائف متلاحقة، فقدان للمقربين والأحباء، شظف عيش لئيم، لا يخجل من تشليح المواطن حتى وقود التدفئة، ومطاردته في رغيف الخبز، ومنحه جرة الغاز في طابور مئوي، وتقنين قطرة الماء، وصاحب كل هذا الضغط ضخ مكثف لأعمال إدرامية متنوعة، بعضها وقف مع النظام السابق معتبراً الطرف الٱخر مجموعات إرهابية مسلحة، وآخر جرب الاعتدال ما استطاع إلى ذلك سبيلا، تلاه فترة التحرير وعشرات الفيديوهات المسربة التي تجسد أهوال الجريمة، وقباحة أفعال ضباط الأمن، وجسامة المسروقات التي اختلسها أفراد النظام، وفظاعة المهن التي تورط بها أزلامه، والسؤال وبعد كل ماسبق، ألم يئن الوقت لبث الراحة في نفوس السوريين، ومنحهم فسحة ترفيهية بأعمال درامية مسلية تخفف من حدة الضغط الذي تجرعوه طيلة هذه الفترة؟ فوفقاً لعلم النفس يحتاج الإنسان بشدة إلى الراحة النفسية والدعم بعد صدمة الحرب، حيث تعتبر ردود الفعل مثل القلق، والحزن، واضطرابات النوم استجابات طبيعية لمواقف غير طبيعية، إضافة إلى الدعم الاجتماعي الذي يعتبر جنباً إلى جنب جلسات التفريغ، ضرورة ملحة للتعافي من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) وتخفيف الألم العاطفي.

ويرى الإعلامي فارس الحاج أننا بحاجة اليوم إلى حدوتات بسيطة، لوكيشناتها حارات سورية، لا تنحاز نحو السياسة، ولا يظهر فيها توجه حكومي واضح، فالحكاية الاجتماعية هي الأهم، والغاية تكمن في المتعة، وهي الوظيفة الأولى للمادة الدرامية بصفتها أحد الأنواع الاعلامية الهامة.

ما مهمة الدراما السورية اليوم؟

البعض يرى أن الوضع السياسي حرج، وهناك تفتت في الرأي بين مكونات الشعب السوري، والأولى ألا تصعد الدراما من حدة الخلاف، وتسهم بشكل إيجابي من رأب الصدع، وتجاوز الشرخ الذي اقتحم الصفوف المرصوصة للسوريين، الذين توحدت كلمتهم يوم التحرير على اعتباره عيداً مباركاً، فالمهمة الأساسية للدراما حالياً أن تسلي جمهورها بقصص اجتماعية معاصرة، وترحِّل المسلسلات التي توثق جرائم النظام السابق إلى ٱونة لاحقة، وقتها تهدأ الأنفس، وتخمد لواذع النقد السلبي، ويسود الأمن والاستقرار، ويعم الخير، وتبدأ مرحلة إعادة الأعمار بخطى واثقة، وهذا ما أكده (الحاج)، إذ يرى أنه مهما حاولت الدراما تغطية جرائم النظام، فالواقع مختلف، إضافة إلى أن ذلك قد يكرس فكرة مكوث فئة محددة في قفص الاتهام، ما يسهم في زيادة النقمة عليها، وهذا الوقت ليس مناسباً، ويوضح أنه من الأفضل حالياً إغلاق الباب بشكل مبدئي على تلك المرحلة، رغم الأذى الاجتماعي المكتظ، لكن مهمة الدراما اليوم هو تخفيف حدة الاحتقان، وإطفاء جذوة  الانتقام.

على طرف ٱخر، يؤكد المخرج زاهر سمير قصيباتي أن الأعمال التي توثق حقب النظام مملة، وتعطي شحنات سلبية، وهي موضة حالية، متعلقة بالمرحلة، وستأخذ حصتها من الوقت، ثم تنطفئ، وشخصياً فليس لدي قصيباتي ميل لمسايرة التيار الدارج، لذلك ٱثر التوجه نحو إخراج عمل تاريخي لطيف، يحمل رسائل هامة حمل اسم (صراع الملكة والمنتقم)، ويؤكد المخرج قصيباتي أن الجمهور اليوم نخبوي، فهو ميال إلى متابعة عمل ذي كفاءات إنتاجية عالية، ولم يعد يقبل بالتشكيل الصوري رديء الجودة، لكنه يشير إلى أن جمهور رمضان لن ينتظر أعمالاً عاطفية كالمسلسلات المعربة، بل إنه شغوف لمتابعة فنانيه ممن غادروا البلاد مجتمعين مع زملائهم في العمل ذاته.

“دراما المعتقلات مطلب جماهيري”

بينما يقدم الناقد الفني الدكتور إلياس أبو جراب رأياً مناقضاً، إذ يذكر أنه من حق الجمهور السوري أن يشاهد دراما وطنية، تتناسب مع روح سوريا الجديدة، تخوض لأول مرة خطوط جريئة على مستوى النص والإنتاج والإخراج، وتفتح أبواب السجون لتنقل الوثائق بموضوعية، تعزز المنطق، وتزيل غموض الأوهام، وتسد ثغرات الأقاويل، وتناقش ملفات التورط والفساد بسقف حرية عالٍ، وتثبت جدارة المضمون السياسي بشفافية مطلقة.

لقد تحولت دراما المعتقلات إلى مطلب درامي ملح لدى الكثيرين، ويقول الصحفي محمد ياسين ساس، وهو مهتم ومتابع لملف المفقودين: “من واجب صناع الدراما، إنتاج أعمال توثق جرائم النظام السابق، لكن بشروط، أولها ألا يبرر منتجو العمل وقوف شريحة معينة مع النظام، فلدينا إرث إجرامي مكدس على مدار ستين عاماً، والجمهور بطبيعة الحال ينتظر بفارغ الصبر مثل تلك الأعمال، والشرط الثاني أن يبذل الكاتب جهداً دؤوباً للوصول إلى أمهات المعلومات، فمصادره ليست القيل والقال، بل ينتقي الأنسب مع احترام ذوي الشهداء، فإذا ما كان أدب السجون مُشاكل بتوثيقه لحكايات البيئة الشامية، فعلى الدنيا السلام، الأمر حساس يجب التروي وأخذ الوقت ما أمكن، وربما من الأفضل تأجيل إنتاج تلك الأعمال حتى إتمام إنجاز العدالة الانتقالية، وأضيف شرطاً ثالثاً أنه من الطبيعي ألا نثق بأعمال يقدمها شخص اصطف مع النظام سابقاً، ودافع عنه، ونعت الثوار بإرهابيين، ممثلاً كان أو منتجاً أو مخرجاً، إنه إنسان أولاً وأخيراً، مزيج من المشاعر والولاءات، ومن لا يؤمن بقضية، من المؤسف أن يمثل الدفاع عنها”.

السجون وفرضيات التدريب

ويرى الأستاذ جلال الخراط وهو مدرب مهارات التمثيل، أن طرح فرضيات تتعلق بجرائم النظام السابق يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على تنمية مهارات الطلاب، فهذه التمرينات تساعدهم على استشكاف أبعاد جديدة للشخصيات الأمنية والسياسية، وفهم السياقات السياسية والاجتماعية التي صقلت هذا البعد أو ذاك، كما يعزز من قدرتهم على التعبير عن المشاعر المعقدة، والتفاعل مع الأحداث التاريخية، بطريقة تعكس واقع الناس وتجاربهم، فالأهمية هي لتقديم أعمال فنية من دون الإساءة لمشاعر الناس، أو تحفيز ذكريات تثير الشجون والألم في أعماقهم.

ماذا عن سوالف الدراما الشامية؟

أما عن مدى شوق الجمهور لمسلسلات البيئة الشامية، التي فرضت وجودها سنوياً، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المطبخ الدرامي الرمضاني كل عام، فتحولت إلى حكايات منمطة، زعيم وداية وقهوة وحلاق، وعبر الصحفي فارس الحاج عن رفضه الكلي لمثل تلك النوعيات من الأعمال، وشدد أن المنتظر هو حكايات لطيفة منزهة عن العنتريات والشباري ولغة الذكرتاوية، فالجمهور سئم الحقب العثمانية والفرنسية، وحفظ رواياتها عن ظهر قلب، وأكد على كلامه الناقد الفني الدكتور إلياس أبو جراب، إذ وضح أن الجمهور لديه اكتفاء ذاتي حالياً في مخزون البيئة الشامية، كونها استنسخت بعضها بعضاً، لذلك يجد الناقد إلياس أنه من الأفضل التريث في المواسم القادمة، ريثما تعد خطة دراسية شاملة بواسطة اختصاصيين، ليعاد رسم ملامح هذا النوع بجدية تدعم البحث عن بصمات جديدة لشخصيات دمشقية، لم يسبق تناول صيرورة حياتها.

الكوميديا والقصص العاطفية والموضوعات الأخرى

في حين يشير الأستاذ جلال الخراط وهو مدرب مهارات التمثيل أن التنوع هو المطلوب، فالجمهور السوري والعربي ينتظر دراما تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية معاصرة، بالاضافة إلى أعمال تاريخية تعكس التراث والثقافة العربية، وهناك اهتمام بالأعمال التي تعالج قضايا الهوية واللجوء والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية، خاصة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة، وشاركه الرأي الدكتور الياس، الذي بين أن تناول دراما المعتقلات لا يعني أبداً انحصار المضمون بالتوثيق السياسي للحقب الماضية، فالجمهور يتطلع أيضاً إلى مسلسلات خارجة عن المألوف في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، ترسم أولى خطواتها في درب إعادة الإعمار، وبناء الانسان، والتنمية المستدامة.

ومع انحسار الموجة الكوميدية، ورغم وظيفتها المثلى في تشكيل متتفس مريح للسوريين، وإنعاش الجانب السيكولوجي في حياة الشعب، الذين كابد أهوال الحرب، وانصدم من كشف المستور، والذي جرب كل مظاهر العنف، فتعكر صفو مشاعره، وغدت أحاسيسه كمركبات مشوهة، وخليطاً  ممزوجاً بشوائب من أطرزة شديدة الأذى، وهذا ما شدد عليه الناقد المتخصص بالشأن الفني الدكتور إلياس، إذ شرح ضرورة وجود مسلسلات كوميدية، تعتمد رسم الابتسامة، وتلوينها بخفة الظل، بعيداً عن التصنع والتهريج، وسعياً لتنظيف الصدور من ضغوط الاختناق، ومعاناة ويلات الحرب.

فئة تحلق خارج السرب

وفي ظل الحديث عن المنتظر من الدراما السورية، والمأمول من حكاياتها، لابد من تسليط الضوء على فئة تحلق خارج السرب، فهي لم تعد تعير المادة التلفزيونية الترفيهية أي اهتمام، وهي  شريحة المراهقين، وهذا ما وصفته التربوية السورية، فيروز جزائرلي، إذ ذكرت أن أغلبية الشابات في المرحلة الثانوية لا يتابعون التلفزيون، وحديثهم يتركز حول مجموعات تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وتطبيقات لتعلم مهاراته، وقلة منهن عبرن عن ميلهن للحكايات العاطفية المعربة، كما أضافت أخريات أنهن من متابعي الدراما الخليجية.

ويبقى كل ما سبق مجرد تكهنات، وقراءات مستنبطة من سايكولوجية الجماهير، والأيام القادمة هي التي ستحسم الجدل حول المأمول من دراما هذا الموسم.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى