
تحوّل العلاقة بين الدولة الناشئة وحاضنتها المجتمعية بعد مرحلة الصراع … نزار الطويل
في المراحل التي تلي الصراعات الكبرى، تواجه الدول الناشئة تحدياً مزدوجاً يتمثل في تثبيت الاستقرار من جهة، وإعادة بناء العلاقة مع المجتمع من جهة أخرى، وغالباً ما تميل هذه الدول، تحت ضغط الأمن والخوف من الانفلات، إلى تعريف شرعيتها على أساس القدرة على السيطرة والقوة المنظَّمة، بوصفها الضامن الأسرع لفرض النظام، ما يؤدي إلى تضييق مفهوم الدولة وتحويله من إطار جامع إلى كيان إداري أمني يعلو فوق المجتمع.
وفي هذه الحالة، لا يظهر الانقسام فوراً على شكل صراع مفتوح، بل يتشكل تدريجياً كمسافة نفسية وسياسية بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً تلك التي لعبت دوراً أساسياً في مسيرة التغيير، وامتلكت رصيداً أخلاقياً وذاكرة جمعية تشكلت خارج المؤسسات.
تعريف الحاضنة المجتمعية
الحاضنة المجتمعية في هذا السياق لا تُفهم بوصفها تنظيماً أو كتلة سياسية أو مشروع حكم بديل، بل بوصفها حالة وعي تراكمي تشكلت خلال سنوات الصراع، وحملت كلفة الموقف والكلمة والانحياز، دون أن تتحول بالضرورة إلى فاعل مؤسسي، وهي حاضنة لا تطلب إدارة مباشرة ولا تمثيلاً رسمياً، بل تطلب اعترافاً بدورها وحقها في التعبير والمساءلة.
والتعامل مع هذه الحاضنة كجسم قابل للاحتواء أو الضبط الإداري يؤدي إلى اختزالها من كونها رصيدَ شرعيةٍ إلى عامل قلق، ومن شريك محتمل إلى متغير أمني، وهو تحول يحمل آثاراً سلبية بعيدة المدى على الاستقرار السياسي.
الخلل
يظهر الخلل عندما تبدأ الدولة بتوسيع مفهوم “التهديد” ليشمل الأصوات النقدية غير المنضبطة تنظيمياً، فتُستبدل الثقة بالإجراء، والسياسة بالإدارة، والمشاركة بالتنسيق، ويُطلب من الفاعلين الاجتماعيين المرور عبر قنوات إذن وتنظيم أو تصريح عمل لا تعكس طبيعة دورهم ولا تاريخهم.
هذا المسار لا يؤدي إلى تفكيك الاحتقان، بل إلى تراكمه بصمت، حيث يتحول النقد العلني إلى تذمر خافت، ثم إلى انسحاب من المجال العام، ثم إلى فقدان تدريجي لوسطاء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي مرحلة خطرة لأنها تُضعف القدرة على امتصاص الصدمات المستقبلية.
النتائج
على المدى القصير، قد يبدو هذا النموذج ناجحاً في تحقيق هدوء نسبي، لكنه على المدى المتوسط والبعيد يُخرج ثلاث نتائج رئيسية:
- صمت مجتمعي لا يعني الرضا، بل الانتظار.
- فراغ بين الدولة ومجتمعها يصعب ردمه لاحقاً.
- استعداد غير معلن لتحول الخلاف من حالة سياسية قابلة للإدارة إلى حالة تصادمية غير مقصودة.
هذه النتائج لا تنشأ بسبب نية المجتمع في المواجهة، بل بسبب انغلاق المجال العام وغياب قنوات التعبير الآمن أو تقنينها وحصرها في مسارات محددة دون معنى فقط بسبب خوف الدولة.
تشير هذه الحالة إلى أن الدولة التي تُعرّف نفسها حصراً من خلال القوة المنظَّمة تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج شرعية جامعة، وأن الاستقرار القائم على الضبط وحده يبقى استقراراً شكلياً، هشاً أمام أول اختبار حقيقي.
الدول الخارجة من الصراع لا تُهدَّد حين يُنتقد مسارها، بل حين تعجز عن التمييز بين النقد والخطر، وبين الذاكرة والتهديد، وبين المجتمع والخصم.
فالدولة التي لا تتسع لمجتمعها بكل تناقضاته، ستضطر دائماً إلى صناعة آخر “بمعنى هم ونحن” كي تحافظ على تماسكها، وحينها يتحول الاستقرار إلى إدارة للخوف لا إلى بناء للثقة.



