هل انتهت الثورة؟ … نزار الطويل

عندما قيل إن الثورة انتهت، كان المقصود توصيف لحظة محددة، مفادها أن الهدف الأساسي الذي خرج السوريون لأجله قد تحقق، “وهو سقوط نظام الأسد”، وهذا توصيف يمكن فهمه في سياقه السياسي المباشر، لكنه تحول لدى بعض المسؤولين إلى استنتاج خاطئ مفاده أن الثورة كفكرة وتجربة وذاكرة باتت من الماضي، وأن الحديث عنها لم يعد مرغوباً، أو أصبح عبئاً يجب تجنبه، أو صوتاً ينبغي إسكاته باسم الاستقرار.

هذا الفهم، وإن بدا للبعض تعبيراً منطقياً عن الحذر، إلا أنه في حقيقته فهم قاصر لطبيعة الثورات، ولخصوصية التجربة السورية، لأن الثورة لم تكن مجرد أداة لإسقاط النظام، بل كانت تعبيراً عميقاً عن مطالبَ أخلاقية وسياسية وإنسانية لم تكتمل بمجرد سقوط رؤوس السلطة، بل ما زالت محور النقاش حول شكل الدولة، وطبيعة الحكم، ومعنى العدالة، وحدود السلطة، وكرامة المواطن.

الكرامة، والحرية، والعدالة، والمواطنة، ودولة القانون، ليست شعارات رفعتها الثورة ثم انتهت، بل هي مطالب جامعة يتفق عليها السوريون اليوم على اختلاف مواقعهم، ويؤكدها الخطاب الرسمي نفسه، وعلى رأسه خطاب رئيس الدولة، ما يعني أن الخلاف الحقيقي ليس على الأهداف، بل على المرجعية التي ينبغي أن تُعبر عن هذه الأهداف وتحميها من التفريغ أو التلاشي مع مرور الوقت.

المشكلة تبدأ حين يُفهم بأنَّ انتهاء المرحلة الثورية بوصفها دعوة إلى الصمت، أو فصل الدولة عن التجربة التي أنجبتها، أو تجربة بناء المستقبل من دون الاعتراف الكامل بالماضي، يوحي بأنَّ الذاكرة الوطنية قد أصبحت خطراً بدلاً من أن تكون مصدراً للفهم وللبناء.

الثورة ليست حدثاً أمنياً يمكن إغلاق ملفه، ولا حالة طارئة يمكن تجاوزها بالنسيان، بل هي تجربة وطنية كبرى شكلت وعي المجتمع، وأعادت تعريف علاقة السوري بالدولة، وبالسلطة، وبفكرة الحقوق والواجبات، وإنَّ التعامل معها بوصفها عبئاً أو مصدر قلق، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يؤسس لاحتقان مؤجل، لأن ما لم يُفهم ولم يُعترف به سيعود بأشكال أكثر تعقيداً.

الحديث عن الثورة وأيامها لا يعني التحريض، ولا الفوضى، ولا الوقوف ضد الدولة، بل على العكس، هو محاولة لوضع هذه التجربة في مكانها الصحيح، بوصفها مرجعية أخلاقية جامعة، لا أداة صراع، ولا مادة مزايدة، ولا شعاراً يُستخدم أو يُمنع بحسب الظرف السياسي.

الثورة، بما حملته من تضحيات هائلة، يجب أن تتحول إلى بوصلة أخلاقية للمرحلة، تُذكر الجميع، في مواقع القرار كما في المجتمع، “لماذا دفع السوريون هذا الثمن الباهظ من دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وبيوتهم، واستقرارهم، ولماذا هُجروا ونزحوا وتحملوا ما لا يُحتمل، للوصول إلى هذه اللحظة”.

هذه التضحيات ليست عبئاً على الدولة الجديدة، بل هي رأس مالها الأخلاقي، وأي محاولة للتقليل من قيمتها، أو التعامل معها كمرحلة محرجة ينبغي تجاوزها، إنما هي تقليل من قيمة ما تحقق، ومن معنى الوصول نفسه.

إنَّ ما تحقق حتى اليوم كبير ومهم، لكنه ليس نهاية الطريق، وما تبقى لا يمكن إنجازه بالإقصاء أو التخويف أو إسكات الأصوات، بل بالتعاون، وببناء الثقة، وبالاعتراف بأن الثورة ليست ماضياً نغلقه، ولا عبئاً نخشى منه، بل أساساً أخلاقياً نبني عليه دولة لا تعيد إنتاج الظلم باسم الاستقرار، ولا تطلب من الناس نسيان ما دفعوه ثمناً للحرية.

الثورات لا تنتهي حين تسقط الأنظمة فقط، بل حين تتحقق قيمها، وما دامت هذه القيم حاضرة في خطابنا، وفي طموحنا، وفي مطالبنا، فإن الثورة تكون قد انتقلت من حالة الفعل إلى المرجعية.

 

مستشار في الشأن العام | باحث في قضايا السياسة المجتمعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى