براءة اللاجئ السوري مصطفى معرستاوي في كوبلنز

انهيار شهادات كيدية يثير تساؤلات حول العدالة في قضايا الحرب السورية

برّأت محكمة الاستئناف العليا في مدينة كوبلنز الألمانية اللاجئ السوري مصطفى معرستاوي من تهم خطيرة تتعلق بالانتماء لتنظيم “داعش” وارتكاب جرائم قتل في بلدة الصوانة بريف حمص عام 2015. جاء هذا الحكم، الصادر في 9 مارس الماضي، بعد محاكمة استمرت لنحو ثلاث سنوات، وكشف عن ثغرات خطيرة في ملفات اعتمدت على شهادات مشكوك فيها في قضايا الحرب السورية .
.

انهيار مصداقية الشهود

 

استندت المحكمة في تبرئتها لمعرستاوي إلى انهيار مصداقية الشهود الذين قدموا ضده. فقد تبين أن هؤلاء الشهود كانوا إما عناصر في ميليشيات تابعة للنظام السوري السابق، مثل “كتائب البعث”، أو شخصيات متنفذة، أو أفراداً يحملون ضغائن شخصية ودوافع انتقامية. وتيقنت المحكمة أن الأدلة المقدمة لم تكن كافية لإثبات التهم بما لا يدع مجالاً للشك .
وأثبت معرستاوي للمحكمة أنه لم ينضم لتنظيم “داعش”، بل فقد عمله بسبب سيطرة التنظيم على المنطقة، وهرب لاحقاً مع عائلته إلى ألمانيا بحثاً عن الأمان. كما كشفت المحكمة أن أحد الشهود الرئيسيين كان شخصية ذات نفوذ في قوات النظام السوري السابق، وبعد سيطرة “داعش” على المنطقة، عمل مع التنظيم في “ديوان الزكاة” (اقتصاد الحرب)، مما أثار شكوكاً حول دوافعه وصدق شهادته .
.

تصفية حسابات سياسية وقضائية

.

.

تُظهر قضية كوبلنز كيف يمكن أن تتحول آليات العدالة في بعض الحالات إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية والشخصية. فقد أكدت المحكمة أن بيئة بلدة الصوانة، التي كانت تخضع لرقابة أمنية وعسكرية شديدة من قبل أجهزة النظام السوري السابق وميليشياته، خلقت مجتمعاً يحكمه الخوف، مما أدى إلى انتشار الشائعات والوشايات الكيدية للإيقاع بالخصوم .
هذه ليست الحالة الأولى، فقد حصل اللاجئ السوري وليد الزيتون أيضاً على براءة من محكمة بليكينغ السويدية في ذات القضية في أوائل مايو 2024، بعد أن قضى 14 شهراً في السجن بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وقد أعرب القضاة السويديون عن مخاوف جدية من أن شهود اللجنة غيروا أقوالهم “في عدة جوانب مهمة” و”ربما قدموا معلومات غير صحيحة عن عمد” .
.

تأثير القضية على حياة معرستاوي

 

عبر مصطفى معرستاوي عن المعاناة التي عاشها بسبب هذه القضية، قائلاً لصحف : “هذه القضية دمّرت حياتي”. فقد قضى نحو عام ونصف في السجن، مما أثر سلباً على أسرته المكونة من أربعة أطفال وزوجته التي تعاني من مرض مزمن. وأشار إلى أن الاتهامات الباطلة أدت إلى تشويه سمعته ووصم عائلته بالإرهاب .
وأوضح معرستاوي أنه كان معتقلاً سابقاً لدى مخابرات النظام السوري عام 2014 بتهمة دعم الجيش الحر، وخسر أخوين في معارك ضد النظام و”داعش”. وبعد نزوح عائلته، استقر في ألمانيا بحثاً عن الأمان، ليتفاجأ بالاعتقال والاتهامات التي وصفها بـ “الباطلة” .
.

تساؤلات حول دور المنظمات الحقوقية

 

أثارت القضية تساؤلات حول دور بعض المنظمات الحقوقية في جمع الشهادات. فقد اتهم معرستاوي منظمة “CIJA” (لجنة العدالة والمساءلة الدولية) بأنها “جلبت الشهود وبنت القضية دون التحقق من صحة الادعاءات”، واستخدمت صوراً لحسابات فيسبوك مزورة كقرائن. كما أشار إلى أن المنظمة أخفت شهادات البراءة بحقه أمام المحكمة لأكثر من عام .
من جانبها، نفت منظمة “CIJA” هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تبني القضايا بل تقدم المعلومات والأدلة لجهات إنفاذ القانون والسلطات القضائية المختصة، وأن هذه الجهات هي من تتخذ القرارات بشكل مستقل. وأشارت إلى أن أي ادعاء بأنها تجلب شهوداً أو تبني قضايا هو “ادعاء عارٍ تماماً من الصحة” .
.

حكم بالبراءة وتعويض

 

خلصت المحكمة إلى براءة مصطفى معرستاوي من جميع التهم التسع الموجهة إليه. وألزمت الدولة الألمانية بتحمل جميع التكاليف القضائية، ومنح المتهم تعويضاً مالياً كاملاً عن كل يوم قضاه في الحبس الاحتياطي، وعن الأضرار التي لحقت به جراء مداهمة وتفتيش ومصادرة ممتلكاته .
يُعد هذا الحكم انتصاراً للعدالة، ولكنه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية التعامل مع شهادات الشهود في قضايا الحرب السورية، وضرورة التحقق الدقيق من مصداقيتها لتجنب استخدام العدالة كأداة لتصفية الحسابات الشخصية أو السياسية.
.
.
مصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى