
إعلام امدح نفســـــك بنفســـــك … محمد منصور
يعيش الإعلام السوري اليوم حالة عجائبية مثيرة للدهشة والاستغراب. بينما يبدو أن أهم عوامل ازدهار الإعلام هي حرية التعبير، وتوسيع هوامشها، وكف يد الجهات الأمنية عن التدخل في الإعلام ولجمه وقمعه والتحكم به، كما كان الحال في عهد النظام البائد، فإن الإعلام اليوم يتمتع بهامش كبير من حرية التعبير واستقلاليته، ومع ذلك لا يبدو أنه يسير في طريق الازدهار. بل أن هناك بدائية وتخبطا وركاكة يعيشها هذا الإعلام اليوم، وكأن السوريين لم يشتغلوا صحافة من قبل، ولا قاوموا نظام الاستبداد البعثي والأسدي الذي داس الصحافة بأحذيته الخشنة، مرة عبر تأسيس منابر في المنافي، وأخرى عبر لجوء الأقلام الحرة إلى الصحافة العربية كي تكتب بهامش أوسع وتنقل ما يجري في البلد… حتى لو كلفها هذا استدعاءات أو مضايقات أمنية.
اليوم لا أثر لهذا كله، إلا في ذاكرة من عاشوا تلك الحقبة السوداء من الصحفيين المخضرمين الذين كانوا يوصفون بالحاقدين وأعداء الوطن… ولكن ثمة إدارة جديدة تسلمت زمام الإعلام الرسمي، تصر على تربية جيل من الصحفيين الخائفين والمدجنين، مع استبدال مصدر الخوف فقط.
إذا لم يعد الخوف من تقارير المخبرين الكيدية واستدعاءات أفرع الأمن… بل صار الخوف على الوظيفة ومصدر الدخل وعلى إخراجك من المشهد الإعلامي، لتعود ناشطا كما كنت… قبل ان يسلموك إدارة قسم المراسلين في صحيفة الثورة السورية على سبيل المثال لا الحصر, أو تصبح مراسل الإخبارية هنا أو هناك، أو مدير مديرية في وزارة الإعلام… وكله على سبيل المثال لا الحصر طبعاَ.
منذ أيام كتب أحد رؤساء الصحف الرسمية اليومية، يشتكي من أن أحد المحافظين لم يرد على أسئلة الجريدة التي تواصلت معه عبر المكتب الإعلامي، مع أن الموضوع يتعلق بقضية عامة تمس الناس، هي قضية ارتفاع إيجارات السكن.
رئيس التحرير هذا لم يتجرأ أن يذكر اسم المحافظ، أو على رأس أي محافظة هو!!! وقد علقت على صفحة إحدى الزميلات بأن هذا المقال لن يهز شعرة في رأس أي مسؤول، بما فيهم المحافظ الذي قد يقرأ المقال ويعرف أنه هو المقصود. لماذا؟ لأنه ببساطة لم يذكر اسمه. سيتجاهل الأمر ويترك لعقل القارئ أن يخمن أي محافظ هو وفي أي محافظة. الجيل الشاب الذي يرى أن رئيس تحرير الصحيفة لم يتجرأ على ذكر اسم محافظ… بأي مستوى من الجرأة سيقتدي؟!
لقد تحولت المكاتب الإعلامية في الوزارات والدوائر الرسمية، إلى مكاتب لتلميع هذا الوزير، أو ذاك المحافظ، أو ذياك المسؤول. كانت مهمة هذه المكاتب على الدوام، أن تمد الصحافة بالمعلومات، أو ترتب لقاء مع رأس المؤسسة أو الوزارة إذا أرادت الصحافة مقابلته ومحاورته في قضية ما. اليوم صارت شغلتها أن تنتج إعلاما على طريقة “امدح نفسك بنفسك” فإذا قابل وزير وزيرا آخر في الحكومة نشروا عنه خبرا وصورة… وإذا اجتمع مع مدراء مديريات وزارته نشروا عنه خبرا مصورا، كي يرى السيد الرئيس أنهم “يعملون ولا يمزحون” وإذا كتب منشورا على صفحته الشخصية يبدي رأيه بحدث ما، نشروه على صفحة الوزارة أو المؤسسة العامة ومولوه، وأرسلوا إشارة للمتابعين كي يقرؤوه… وإذا شارك في إطلاق حفل ما بحكم موقعه التخصصي مع وزارة أو هيئة أخرى في ذات الحكومة والبلد…. تبادل الفريق مع نفسه ومع وزيره أنخاب النجاح، ونشروا الصور والستوريات، ومولوا المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أي دفعوا نقودا من ميزانية الدولة للفيسبوك كي يزيد من فرص انتشارها، أو استعانوا بمحظييهم من المؤثرين كي يشاركوا على صفحاتهم.
إحدى الصحف الرسمية نشرت في نهاية العام حصيلة أرقام منصاتها وعدد متابعيها، مرفقة بعبارة: “علما أن المنصات أنشأت حديثاً” بالله عليكم؟
وهل سنظن أنها أنشأت في عهد حافظ الأسد؟ إن كل ما في سوريا اليوم يبدو وكأنه أنشئ حديثا بعد أن تركها نظام الأسد خرابا يبابا… فهل يستحق الأمر أن تنوهوا لنا بمثل هذه السذاجة كي نشهق مندهشين: يا الله كم حققوا من معجزات؟!
أحد المدراء العامين يشكر صحفيي صحيفته الرسمية لأنهم غطوا يوم المظاهرات في الساحل. حسنا إذا كنت صحيفة يومية رسمية ولم تغط فماذا عليك أنت ومراسليك أن تفعل؟ لماذا يقبض هؤلاء رواتبهم إن لم يغطوا. قال لي صديق طيب: برأيك ما وراء مثل هذه الحركات؟! قلت له: وراءها أن هناك مسؤولا يقول للناس بطريقة غير مباشرة، انظروا من يعملون تحت أمرتي قاموا بالواجب لأن مديرهم جيد، ويعرف كيف يدير، ويعرف كيف يشكر كي يذكر بنفسه وبحسن إدارته… وإذا لم تصدقوا اذهبوا إلى التعليقات لتروا كيف يرد من شكرهم الحسنة بعشرة أمثالها.
طبعا يمكن لأي مراقب حيادي أن يتابع ويقدم الشكر لهؤلاء وسواهم إن وجد أن هناك جهدا استثنائيا (ما هو فوق الواجب الذي عليك ان تؤديه) حقق إنجازا ما، أما إعلام أن تمدح نفسك بنفسك… فهو كمن يضع بنفسه أوسمة ونياشين على صدره!
نحن أمام لحظة تاريخية فارقة، يمكن للإعلام السوري أن يكون أفضل بكثير مما نراه، وأرقى بكثير من هذه المدائح البلهاء، وأوفى بكثير للناس ووجعهم دون أن يمن عليهم ويستعرض تفاعلهم معه كأرقام… مجرد أرقام. الأمر لا يحتاج للضمير فقط، فبعض من يعملون في هذا الإعلام لديهم ضمير يقظ وحي… لكنه يحتاج للخبرة والحزم والمهنية. اللامهني يمكن أن يفعل هذا وأكثر!
.
.
عن جريدة احوال



