
إعادة هندسة الصراع السوري – الإسرائيلي : معارك حلب بوصفها ورقة ضغط إقليمية … صباح البغدادي
مع اشتداد المعارك التي اندلعت فجر اليوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير في محافظة حلب بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، والتي ما تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور، يبرز تساؤل جوهري حول حقيقة هذه المواجهات وأبعادها العميقة التي قد لا تكون واضحة حتى الآن.
فهل تمثل هذه الاشتباكات الدامية حدثًا عسكريًا معزولًا، ناتجًا عن الظروف السياسية والأمنية الراهنة في سوريا؟ أم أنها حلقة ضمن سياق إقليمي أوسع تحكمه اعتبارات تتجاوز الفاعلين المحليين؟
وفق قراءة تحليلية لم تُتداول إعلاميًا حتى اللحظة، يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءًا من تفاعلات غير مباشرة ترتبط بإعادة صياغة شروط وقواعد الاشتباك والتفاوض في الملف السوري–الإسرائيلي. وتنطلق هذه المقاربة من فرضية مفادها أن التصعيد العسكري بين دمشق و”قسد” لا يجري بمعزل عن حسابات إسرائيلية أوسع، تسعى من خلالها تل أبيب إلى توظيف التوترات الداخلية السورية كورقة ضغط سياسية وأمنية.
وبناءً على هذا المنظور، قد تجد إسرائيل في تحريك أو استثمار الصدامات بين الجيش السوري و”قسد”، وربما لاحقًا مع الدروز، فرصة ثمينة لفرض شروط تفاوضية أكثر تشددًا على الحكومة السورية، مستفيدة من هشاشة الوضع الميداني وتعدد بؤر التوتر.
وتشير هذه القراءة إلى أن إسرائيل، في إطار سعيها لتكريس دورها كفاعل مقرِّر في أي ترتيبات أمنية مقبلة في سوريا، قد طلبت من واشنطن تأجيل البت في أي اتفاق أمني محتمل مع “قسد” إلى حين بلورة تفاهم أمني خاص بها مع دمشق، وفق ما تداولته وسائل إعلام خلال الأيام الماضية. ويعكس هذا الطرح محاولة إسرائيلية لضمان عدم إبرام أي ترتيب أمني في الشمال أو الشرق أو الجنوب السوري من دون أن تكون لها الكلمة الفصل فيه، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسيط الأميركي.
ومن خلال هذا السيناريو، تسعى إسرائيل إلى استثمار التوتر المتزامن بين الحكومة السورية من جهة، وكل من “قسد” في الشمال الشرقي والدروز في السويداء من جهة أخرى، باعتباره عامل ضغط مركب يعزز موقعها التفاوضي ويفرض شروطًا قد تكون مجحفة بحق دمشق. فكلما ازدادت الضغوط الداخلية، تراجعت قدرة الحكومة السورية على المناورة السياسية، وازدادت قابلية القبول بتفاهمات غير متكافئة تُفرض بحكم الأمر الواقع.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نمط من العلاقات غير المتوازنة، تُفرض فيه الشروط الأمنية من الخارج، وتتحول فيه الحكومة السورية إلى طرف متلقٍ للترتيبات بدلًا من أن تكون شريكًا فاعلًا في صياغتها، ما يفتح الباب أمام تبعية سياسية وأمنية تُضعف السيادة الوطنية.
وعليه، فإن ما يجري في محافظة حلب، وفق هذه القراءة، لا يمكن فصله عن لوحة إقليمية أوسع تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والأميركية مع التوازنات المحلية السورية، وسط غياب معالجة إعلامية معمقة تربط بين هذه المستويات المختلفة.
وفي هذا السياق، لم يعد الصراع السوري–الإسرائيلي صراعًا تقليديًا مفتوحًا، بل بات أقرب إلى حالة “إدارة توتر” تحكمها حسابات دقيقة. ويعزز ذلك ما يُتداول حول الاجتماعات التي عُقدت في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني/يناير 2026، وهي الجولة الثالثة من المفاوضات السورية–الإسرائيلية برعاية أميركية ودعم مباشر من البيت الأبيض.
وبحسب بيان مشترك أميركي–إسرائيلي–سوري، تم التوصل إلى تفاهمات شملت إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد، ومعالجة النزاعات المحتملة بسرعة، مع التأكيد على احترام سيادة سوريا وأمن إسرائيل.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام احتمال إنشاء مكتب اتصال إسرائيلي في دمشق بدعم أميركي، وهو تطور يتجاوز كونه خطوة تطبيعية، ليعكس سعيًا لمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية غير مرغوبة، خصوصًا في الجنوب السوري، ولتحجيم النفوذ الإيراني.
غير أن هذا المسار يطرح أسئلة جوهرية، أبرزها:
هل ستسمح إسرائيل بفتح مكتب تمثيل سوري في تل أبيب؟
وهل يمكن تأمين الحماية اللازمة لمكتب إسرائيلي في دمشق في ظل بيئة أمنية لا تزال هشّة؟
ومن المرجح، في حال التقدم نحو أي صيغة اتصال رسمي، أن يكون التمثيل الإسرائيلي ضمن السفارة الأميركية في دمشق، بما يوفر غطاءً أمنيًا وسياسيًا مزدوجًا، ويقلل المخاطر، بدلًا من إنشاء بعثة مستقلة مكشوفة.
في المحصلة، ما نشهده اليوم يشير إلى تحول في أدوات إدارة الصراع لا في جوهره، وإلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بلغة أكثر براغماتية وأقل صخبًا. فالرؤية السورية الجديدة، وفق ما يمكن استقراؤه، باتت تدرك حدود الخطاب التقليدي، وتراهن على التنمية الاقتصادية والعلمية بوصفها شرطًا أساسيًا لاستعادة الحقوق على المدى الطويل.
أما الطروحات التي تتحدث عن “الأرض مقابل السلام” في الحالة السورية، فهي قراءة ساذجة لا تنسجم مع موازين القوى الحالية، ولا مع السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي القائم على فرض الأمر الواقع، خصوصًا في ظل الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان.
وبالتالي، فإن الاعتقاد بإمكانية تخلي إسرائيل عن الجولان مقابل علاقات دبلوماسية كاملة مع سوريا، كما حدث مع مصر والأردن، يبقى وهمًا سياسيًا لا يستند إلى معطيات واقعية.
إعلامي وصحفي استقصائي
صباح البغدادي
[email protected]



