وزارة العدل تُقيد توقيفات الجرائم الإلكترونية

يمنع توقيف أي مشتبه به أو إصدار مذكرات بحث بحقه إلا بقرار خطي صادر عن النيابة العامة

في خطوة وُصفت بالمفصلية وأثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية، أصدرت وزارة العدل التعميم رقم (26) بتاريخ 14/1/1448هـ الموافق 9/6/2026، متضمناً حزمة إجراءات جديدة لتنظيم التعامل مع قضايا الجرائم المعلوماتية، في إطار يُفترض أنه يوازن بين حماية المجتمع وضمان الحريات العامة.

التعميم، الذي وقعه وزير العدل ، جاء في سياق انتقادات متصاعدة لقانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، والذي اعتبره حقوقيون قانوناً فضفاضاً اتسع نطاق تطبيقه ليشمل أنشطة رقمية متعددة بعقوبات وصفت بالقاسية.

التعميم الجديد أعاد رسم آلية التعامل مع الشكاوى الإلكترونية، إذ حصر إحالتها إلى الضابطة العدلية بالحالات التي تستوجب تحقيقات تقنية معمقة، مثل الجرائم المجهولة الفاعل أو ذات الطابع المعقد، بينما تُحال قضايا القدح والذم الإلكتروني، في حال كان الفاعل معروفاً، مباشرة إلى المحكمة عبر الادعاء دون المرور بإجراءات تحقيق أولية.

كما شدد على تقييد إجراءات التوقيف والاحتجاز، مانعاً توقيف أي مشتبه به أو إصدار مذكرات بحث بحقه إلا بقرار خطي صادر عن النيابة العامة، مع التأكيد على أن التوقيف الاحتياطي يبقى إجراءً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، كخشية العبث بالأدلة أو التأثير على الشهود أو احتمال الفرار، وبمدة لا تتجاوز الحد اللازم للتحقيق.

وفي السياق ذاته، قيد التعميم إصدار أوامر إذاعة البحث، وحصرها بالحالات الضرورية أو الفنية أو عند الامتناع عن المراجعة رغم التبليغ الأصولي.

ولضمان تطبيق هذه الإجراءات، نص التعميم على تشكيل لجان قضائية في كل قضاء برئاسة المحامي العام، تتولى مراجعة أوامر البحث السابقة، واتخاذ القرار بإلغائها أو الإبقاء عليها وفق المعايير الجديدة.

كما أوكل إلى التفتيش القضائي والمحامين العامين مهمة متابعة التنفيذ ورفع تقارير فورية عند رصد أي تجاوزات أو مخالفات.

ورغم أن بعض الأوساط الحقوقية رأت في التعميم خطوة إيجابية باتجاه تقليص التوقيف التعسفي في القضايا الرقمية، إلا أن أصواتاً قانونية حذّرت من أن الإشكالية لا تكمن فقط في الإجراءات، بل في بنية القانون ذاته الذي ما زال يمنح مساحة واسعة لتأويلات قد تطال حرية التعبير.

ويذهب آخرون إلى اعتبار التعميم محاولة لاحتواء الانتقادات المتزايدة للمنظومة القانونية الخاصة بالجرائم الإلكترونية، دون أن يقدم تغييراً جذرياً في النصوص الأساسية، ما يجعل أثره الفعلي مرهوناً بمدى الالتزام بتطبيقه على أرض الواقع.

وفي ظل الجدل المتصاعد حول قانون 2022، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت هذه الضوابط ستشكل بداية مسار إصلاح حقيقي في التعامل مع الفضاء الرقمي، أم أنها ستبقى خطوة إجرائية محدودة الأثر.

مصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى