
مراجعات لحقبة الظلام الثقافي : عن تكريس “معفش” يروج اختلاقات عن أديان الشرق مفكرًا … خلف علي الخلف
بعد أن أنهى أحد الأصدقاء قراءة “الحرانيون السومريون”، قال لي إنه لم يرَ اسم فراس سواح في ثبت المراجع وهي بالمئات، في كتاب يتحدث عن العقيدة الحرانية ويتتبع مسارها في عقائد وأديان بلاد ما بين النهرين وصولا إلى السومريين!
قلت له حينها: «لم يمرّ علي»، بمعنى: ليس هناك أي فكرة أصيلة جاء بها السواح حول أديان بلاد النهرين، خصوصًا لشخص يقرأ الإنكليزية.
والحقيقة لا أدري عن علاقة فراس السواح بمخابرات ناعسة، لكنه من الأسماء التي نُفخت خلال الحقبة المظلمة.
فراس السواح لا يجيد أيًّا من اللغات الرافدية القديمة، ومع ذلك ألّف كتبًا تفوق بعدة أضعاف وربما عشرة أضعاف ما كتبه طه باقر، المختص بتاريخ هذه الحضارات، والذي أفنى عمره فيها.
قضى فراس السواح حياته على «التعفيش» من الباحثين الغربيين وإعادة صياغتها بالعربية مع مسحة أدبية تبسيطية، وانتهاك فادح للمعايير الأخلاقية البحثية بإغفال المصادر، وهذه وحدها تكفي لطرده من أي «محفل» كتابي.
خلال مسيرته المترامية الأطراف لم يأت السواح بأي فكرة أصيلة، بل لا توجد لديه فكرة جديدة؛ فكل ما قاله في كتبه قيل قبله من باحثين غربيين بعشرين سنة على الأقل وبعضها ربما بقرن، ومنهم من هم على شاكلته لا يجيدون لغات قديمة ولا لغات مشرقية حديثة.
بحثت مطولًا عن «الإباحية» و«الجنس الجماعي» في معابد الديانات الرافدية فلم أجد، بل بالعكس وجدت ديانات محافظة لديها معايير أخلاقية، بمقاييس اليوم، صارمة.
من أين جاء السواح بهذه الفكرة إذن؟ لقد “عفشها” من جيمس فريزر، المتوفى على الأرجح قبل ولادة السواح، ومن ميرتشا إلياده، الذي توفي قبل أن يظهر اسم السواح على الكتب تقريبًا، ودراسات كثيرة أخرى عن «الإلهة الأم».
كتب كثر من هؤلاء الباحثين عن الديانات الشرقية القديمة وليس في ذهنهم سوى خيال “ألف ليلة وليلة” الروائي و”انحلال” الشرق، وكذلك الرؤية “المسيحية” التي شوّهت صورة الديانات القديمة ولفّقت لها اتهامات باطلة و وصمتها “بالوثنية”، كما تفعل الأديان المتحاربة أو الناشئة ضد الراسخة.
جاءت السيدة ستيفاني لين بودين؛ وهي، إضافة إلى كونها لم يمرّ عليها اسم السواح، أكاديمية ومؤرخة أمريكية متخصصة في تاريخ الأديان القديمة وعلم الآثار الكلاسيكي، تُعرف بأبحاثها في المعتقدات والطقوس الدينية في الشرق الأدنى القديم وحوض البحر الأبيض المتوسط، وبدراساتها عن مكانة المرأة في الأساطير والديانات القديمة، وواجهت هذا التيار في المدارس الغربية التي كان “يعفش” منها السواح ويقدمها مع مسحة أدبية لجمهور متعطش لحكايا الجنس فيصرخ «واااو».
وقالت السيدة المتخصصة بعمق، أو كتبت، في كتابها The Myth of Sacred Prostitution in Antiquity إن مفهوم البغاء المقدس نتج عن سوء فهم ونتيجة لقراءة خاطئة لبعض الرموز والإشارات وتعسف «جاهل» في قراءة بعض النصوص ومخيال تفسيري لاحق عن الشرق.
وأنا أدعو السواح الذي ما زال حيا و«ترند» في صبحيات «الهلس» أن يثبت لنا أي ممارسة جماعية للجنس في معابد الديانات الرافدية، سواء كانت مقدسة أو مجرد إباحية.
فقر الثقافة السورية والعربية هو ما جعل “معفشين” لاختلاقات أو قراءات خاطئة يطلق عليهم باستسهال مسف مفكرين.
وطبعًا، فراس السواح خلال مسيرته “العلمية التعفيشية” الرصينة تم تكريمه من جهات أكاديمية بارزة مثل “الحزب الشيوعي السوري” و”الحزب القومي السوري”، ولا يوجد في سجله غيرها، ويزعم أنه صار مؤخرا يدرّس بجامعة صينية تاريخ الأديان، وهو معه إجازة جامعية في إدارة الأعمال ولغته العربية ضعيفة فكيف بالصينية.



