
لا نريد تشريناً يُلغى.. بل تشريناً جديداً يُصنع … د. عوض السليمان
في الوقت الذي كنا ننتظر فيه تشريناً آخر وانتصاراً مُشرِّفاً آخر على العدو الصهيوني، بلغتنا الأخبار بأن الحكومة السورية قد ألغت ذكرى انتصار تشرين الأول، دون أن تشرح لنا مبرراتها، بل أعطت لنفسها الحق منفردة في أن تقرر ما الذي يستحق أن يبقى في ذاكرة السوريين وما الذي ينبغي أن يُمحى منها؟
لا أخفي أنني، وكثيراً من السوريين والعرب والمسلمين حول العالم كله، كنّا نعدّ الأيام لتنتصر الثورة السورية، فتتوجه إلى مقارعة العدو لتحرير أرضنا المحتلة. ولكن الذي وقع كان عكس ذلك تماماً، فالعدو هو الذي يتوغل اليوم في أرضنا ويبني فيها تحصينات عسكرية، وتعربد طائراته فوق سمائنا، ويختطف شبابنا ويقتل آخرين دون رادع. بينما لا يتحدث مسؤولونا إلا عن طلب اجتماعات مع قادته، حتى وصل الأمر أن يلتقي السيد وزير الخارجية برئيس جهاز الموساد الدموي.
لم تقم الثورة كي ترث حكومة جديدة سلطة كتابة التاريخ على مقاسها. ولم يكن من أهدافها أن تستبدل احتكاراً للسلطة باحتكارٍ للذاكرة. ولا نعلم أن مجلس الشعب ناقش إلغاء ذكرى تشرين، أو أن السوريين استُشيروا في أمر يمس ذاكرتهم الوطنية. كل ما نعرفه أن القرار اتُّخذ، وانتهى الأمر، وكأن تاريخ البلاد صفحة في دفتر حكومي يجوز شطبها بقرار إداري.
نحن مع تفكيك إرث النظام البائد، ومع إسقاط روايته السياسية وتعرية جرائمه. عانينا من حافظ الأسد قبل أن نعاني من بشار، ولسنا بحاجة إلى دروس في ذلك. لكن إدانة الأسد ونظامه لا تعني أن نصادر ذكرى انتصارات السوريين وتضحياتهم. فهناك فرق هائل بين تفكيك سرديات النظام وتزوير التاريخ.
تشرين صنعها الجندي السوري الذي اقتحم التحصينات، والشهيد الذي لم يعد إلى بيته، والأم التي انتظرت ابنها ولم تره مرّة ثانية، والشعب الذي تحمّل أوزار الحرب، والجنود العرب الذين قاتلوا إلى جانب سورية ومصر، والدول التي وقفت في وجه الغرب باستخدام سلاح النفط. هؤلاء جميعاً هم أصحاب ذلك الانتصار، وليس الحاكم الذي قرر أن يستولي على ذلك النصر ويسجله باسمه.
والأخطر أن إلغاء ذكرى تشرين بحجة ارتباطها بالنظام البائد يعيد إنتاج الرواية التي يُفترض أن السلطة الجديدة تريد هدمها. فإذا كان علينا أن نمحو الحرب لأن اسم حافظ الأسد ارتبط بها، فنحن، من حيث لا ندري، نمنحه ما أراد تماماً: فكأنه هو صاحب الحرب وبطلها وصانع انتصاراتها. وما هذا إلا ظلم وإهانة لكل السوريين قبل أن يكون خطأً سياسياً فادحاً.
لنتخيل أن حاكماً مستبداً استخدم رموز عين جالوت لتجميل حكمه. هل نمحو عين جالوت من تاريخ الأمة لندين ذلك الحاكم؟ بالطبع لا. فلماذا يصبح تشرين قابلاً للمحو لمجرد أن نظاماً مستبداً نسبه إلى نفسه؟ أو لنتصور أن سلطة مستقبلية ما، تلغي انتصارات الثورة السورية على حافظ الأسد وولده ونظامه البغيض.
وتزداد المسألة حساسية حين يأتي إلغاء الذكرى بالتزامن مع ما يجري في الجنوب السوري والجولان من توغلات إسرائيلية وتحركات توسعية، مع شائعات تتحدث عن أن إلغاء ذكرى الحرب كان بإشارات صهيونية، ورغبة سورية في إرسال رسائل حسن نية تجاه إقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع العدو.
قد تكون الشائعات خاطئة، لكن غياب التفسير الرسمي يثير القلق.
نعتز بثورة الشعب السوري، ولا نريد لقيادتها التي أسقطت احتكار السلطة السابقة لسورية وحضارتها، أن تقع هي نفسها في احتكار ذاكرة السوريين وانتصاراتهم. وإن كانت الحكومة السورية تظن أن إسقاط صورة الأسد يقتضي إسقاط ذكرى تشرين، فعليها أن تعلم أنها لا تمحو أثر ذلك المستبد بقدر ما تمحو أثر انتصار الأمة وبطولاتها.
فكما لم تكن حرب تشرين في الماضي ملكاً للنظام الطائفي، فهي اليوم ليست ملكاً للحكومة السورية. إنها ملك السوريين كلهم، والعرب أيضاً، بل والتاريخ نفسه.
إننا نثمن الانتصارات على العدو الصهيوني، وكما انتصرنا في تشرين الأول وفي كانون الأول، نريد أيضاً أن ندحره في الجولان والقنيطرة ومن أرضنا العربية المحتلة كلها، وإن ذلك ليكون.



