زيادة الخلافات الزوجية بعد الثورة حقيقة أم مبالغة

يقول أحد المشرفين على ملف الأسرة في أحد تجمعات السوريين في مرسين: أنّه لا يكاد يمر يوم إلا وتأتينا حالة خصومة أو اختلاف بين زوجين، منها ما يصل في كثير من الحالات إلى الطلاق، ناهيك عن الحالات التي يطلب فيها المراجعون- سواء بالهاتف أو شخصيّاً- فتاوى لحالات طلاق وقعت فعلاً، وتحتاج إلى حلّ، بالإضافة إلى الحالات الكثيرة التي يسمع قصصها الإنسان العادي في حياته اليومية عمن يعرفهم من الأسر والأزواج، قد لا تصل إلى الدوائر المختصة، ولكنّها موجودة في الواقع. فهل زادت الخلافات الزوجية، ومن ثَمّ حالات الطلاق بعد الثورة؟ أم أنّ النسبة مقبولة، ولا تختلف عمّا كان قبل الثورة؟ أم قلّت النسبة بعد الثورة؟

حقيقة لا ينكرها عاقل

سألنا أحد المختصين التربويين عن ظاهرة الاختلاف والخصومة بين الأزواج، فقال: لم تخلُ الحياة في يوم من الأيام من الاختلاف والخصومات بين النّاس بشكل عام، وبين الأزواج وضمن الأسرة الواحدة بشكل خاص، هذه حقيقة لا ينكرها عاقل، وهذا نتيجة لطبيعة خلقهم، فقد خلق الله لكل واحد منهم عقلاً يفكر به، ومنحه إرادة يرجّح بها، ويختار ما يريده لنفسه، وأنزل لهم الشرائع، فأعطاهم الأدوات، وترك لهم حرية الاختيار، ثمّ حمّلهم مسؤولية اختيارهم، فاختلف حالهم، فكان منهم من يلتزم بهذه الشرائع، ومنهم من يخالفها، ومنهم من يتعدّى على حقوق غيره، أو يقصّر في واجباته، فكانت الخصومات والمنازعات ووجد ظالم ومظلوم.

كما أنّ الإنسان حين يسعى في هذه الحياة ليحقق أهدافه وآماله، ولكلّ عاقل أهداف وآمال، يصطدم في خضم سعيه هذا بالآخرين الذين يسعون أيضاً لتحقيق أهدافهم، فتتعارض المصالح وتتضارب، ومن ثمّ ينشأ الاختلاف والخصام، فكلّ واحد يسعى للحصول على ما يظنّ أنّه حقّه، وتختلط الأمور، وخصوصاً أنّ هناك من بني البشر أناس يدفعهم طمعهم إلى الاستيلاء على حقوق الآخرين عن سبق إصرار وتصميم. وهذا ينطبق على العلاقات الاجتماعية بشكل عام، وعلى العلاقة بين الزوجين بشكل خاص.almastba.com_1389315520_867

قصص مؤلمة

رجل عاش مع زوجته أربع سنين حياة مستقرّة بلا منغصات، ثمّ اضطر للخروج من سوريّة هارباً إلى إحدى دول الجوار بعد قيام الثورة السورية، خوفاً من الاعتقال – وقد طُلب للتحقيق أكثر من مرّة، بحجّة أنّه قابل فلان، أو تكلّم مع فلان، أو سلّم على فلان، علماً أنّه لم يكن يشارك في أي نشاط ثوري- بعد أن استقر وضعه في الدولة التي هاجر إليها، أرسل في طلب زوجته التي لحقت به، ولكنّها لم تستطع الصمود معه في تلك الظروف الصعبة، فالسكن لا يليق بها كما تقول، مع شبه انعدام للحاجات الأساسية كالكهرباء والماء مع قلة في الطعام والغذاء، بالإضافة إلى بعدها عن أهلها وأقاربها وجيرانها، طلبت منه أن يعود بها إلى سوريّة، رفض وبيّن لها أنّه لا يستطيع العودة، أصرّت على طلبها، اشتد الخلاف بينهما، ثمّ اتفقت معه بعد أن شاورت أهلها على العودة إلى سوريّة لبعض الوقت، وافق مكرهاً، ما إن وصلت إلى سوريّة حتى وكّلت محامياً ليبدأ بإجراءات الطلاق، المحامي بيّن لها أنّها إن طلبت هي الطلاق لا تأخذ أيّاً من مستحقاتها من الزوج إلا في حالة إن كان يُلحق بها ضرراً مادياً أو معنوياً، فرفعت عليه دعوى بذلك، ومرت أشهر، وجاءها خاطب بعد أن انتشر بيّن النّاس أنّها تركت زوجها، جاء والدها إلى أحد طلاب العلم (شيخ) يطلب منه أن يعقد لها على الخاطب حتى تستطيع الدخول والخروج معه لإتمام إجراءات الطلاق، سأله ألم تطلّق بعد!؟ قال: لا. أخبره أنّه لا يمكن إجراء العقد شرعاً و قانوناً حتى تطلّق رسميّاً وتنتهي عدتها، وفي ظلّ زيادة حالات الفساد والرشاوى استطاعت أخذ حكم قضائي بطلاقها من زوجها مع حصولها على كامل مستحقاتها. زوجها لم يستطع أن يفعل شيئاً في مهجره سوى التهديد والوعيد.

قصة أخرى

امرأة عاشت مع زوجها الجامعي حياة سعيدة وأنجبت منه أربعة أولاد، تقول:

إن معاملة زوجي بدأت تتغير نحو الأسوأ بعد لجوء أهلي إلى دولة مجاورة، وابتعاد أهله عن مكان سكننا، تقول: تحولّت حياتنا إلى جحيم بعد أن كانت بسيطة هادئة، رغم أننا كنّا محاصرين. فهو في هذه الأيام يخرج من البيت أول النهار ويعود آخره عابساً كئيباً، ويترك لي شؤون تدبير حياة الأولاد، حتى أنّه صار في الفترة الأخيرة يقصّر في إحضار الطعام، ويقول لي: “كلوا من حواضر البيت” وعندما أسأله عمّا يزعجه، يشتمني ويصبّ جام غضبه عليّ، ثمّ وصل به الأمر إلى ضربي. لجأت إلى أهله وأخبرتهم بالأمر، فجنّ جنونه حين علم، وكاد أن يقتلني من شدّة الضرب، لم أعد أستطيع العيش معه في ظلّ هذه المعاملة، فقررت الذهاب إلى أهلي، ولكنه لا يسمح لي بأخذ الأولاد، لا أعرف ماذا أفعل؟

هل زادت فعلاً حالات الاختلاف والطلاق بين الأزواج؟

توجهنا بهذا السؤال إلى عدد من السوريين في مدينة مرسين التركية، فكان رأي  بعضهم: نعم زادت حالات الاختلاف والخصومة بين الأزواج، وقالوا: نعرف ونسمع عـن حـالات كثيرة، صحيح أنّـه كانت هنـاك خلافات بين     الأزواج قبـــل الثـورة وهـذا أمر عـادي، ولكن لم تكن بهذه الكثرة، وما ذلك إلا نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها السوريون من جميع  النواحي.

بينما قال آخرون: نعم نسمع عن حالات اختلاف وخصومة بين الأزواج، ولكنّها في الحقيقة أقل ممّا كانت عليه قبل الثورة، لأنّ صاحب المعدن الأصيل من الرجال والنّساء لا يتغيّر بتغيّر الظروف والأحوال، بل على العكس لاحظنا أنّ كثيراً من الأزواج والزوجات توثّقت عرى زواجهم بعد الثورة أكثر، و ازداد صبر بعضهم على بعض. وإنّما يريد الذين يروّجون هذا أن يطعنوا بالثورة.

وقال آخرون: إنّ النسبة هي نفسها لم تزد ولم تنقص، كل ما في الأمر أنّ الأضواء سلّطت على السوريين في كلّ صغيرة وكبيرة، في الداخل والخارج و أينما حلّوا، بحيث صاروا مادة إعلاميّة في المحطّات الفضائية وعلى شبكة الانترنت.

نعم زادت ولكن بنسبة قليلة:

لم نجد إحصائية دقيقة للمنظمات الدولية المعنية تبين عدد حالات الطلاق منذ بداية الثورة 2011، في حين ذكر القاضي الشرعي الأول في دمشق أنّ هناك زيادة طفيفة لا تتجاوز10% مقارنة بالسنوات السابقة. وهذا ما أكّده أحد القضاة الشرعيين العاملين في إحدى المحاكم الشرعية في المناطق المحررة الذي أضاف بأن ابتعاد الأسر عن بعضها، وربما تفرق الأهل، وابتعاد أماكن سكناهم كان سبباً رئيساً لنشوء الكثير من المشاكل الزوجية، وقد وصلت الكثير من الحالات إلى الطلاق, كما أن أهل الزوجين يلعبون دوراً كبيراً في التخفيف من حدة المشاكل الزوجية وخصوصاً لدى الأسر الحديثة.

زيادة حالات الزواج عن حالات الطلاق

في إحصائية نشرها مكتب الإحصاء في مجلس القضاء الموحد في حلب، يبيّن فيها زيادة معدّلات الزواج وانخفاض معدّلات الطلاق بنسبة 15.5%، وذلك بناء على دراسة أكثر من 1596 إضبارة مودعة لدى محكمة الأحوال الشخصية التابعة للمجلس.

وتظهر الإحصاءات أن عقود الزواج تشكل نسبة 34.7% من تلك القضايا، برقم يفوق 550 إضبارة زواج, في حين بلغت نسبة قضايا الخلع والطلاق 19.2% أي أقل من350 إضبارة.

ويفسّر هذا بأن الظروف الصعبة دفعت كثيراً من أولياء أمور الفتيات إلى تيسير أمور زواجهن، فما عادوا يطلبون مهراً غالياً، كما أنّ كثيراً من الأعباء المترتبة على الراغبين في الزواج قبل الثورة كتكاليف الزواج، وإنهاء الدراسة أو الخدمة العسكرية الإلزامية, قد سقطت أو تم التساهل بها بعد انطلاق الثورة.

أسباب كثيرة

من خلال تتبع كثير من حالات الاختلاف بين الأزواج وحالات الطلاق نستطيع أن نلّخص أسبابها بأمور ثلاثة:

أولها المشكلات الاقتصادية: فالفقر الذي طال أغلب الأسر السورية، والبطــــــالة التي ارتفعــــت بشكل كبير مع مصاحبة ارتفاع الأسعار، واضطرار كثير من الأزواج لترك أعمالهم نتيجة الملاحقة الأمنية، وصعوبة الحصول على المتطلبات الأساسية من مسكن ومأكل وملبس وغير ذلك، كان له دور كبير في بروز هذه الخلافات.

ثانيها المشكلات الاجتماعية: فإهمال كثير من الأزواج لأسرهم نتيجة التحاقهم بجبهات القتال، وسكنى عدة عائلات في بيت واحد بسبب النزوح، ورحلات النزوح المتكررة، وفقدان المعيل كلّ ذلك وغيره يسبب الكثير من الخلافات الزوجية. كما لا ينكر دور شبكة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي في بروز كثير من حالات الاختلاف.

ثالثها وهو العامل النفسي الناتج عن العاملين السابقين: فالخوف والقلق الشديدين وتردي الحالة المادية وظروف المعيشة وكثرة المنغصات, كلّ هذا يتسبب في نشوء اضطرابات نفسية وتوترات وضغط نفسي بحيث يصبح الإنسان معرّض للاستثارة والغضب أمام أي موقف، ولو كان لا يستحق ذلك، ثمّ يتطور الأمر وربّما وصل إلى الطلاق.

نتائج خطيرة

يقول أحد المختصين النفسيين إنّ أول وأخطر آثار الخلاف بين الزوجين سينعكس على الأولاد الذين سينشؤون في ظروف نفسيّة صعبة، فإذا وصل الخلاف بين الزوجين إلى الطلاق سيضطر الأولاد إلى إكمال بقية حياتهم بعيداً عن أحد والديهم، أو ربما لا يجدون من يرعاهم، ممّا سينتج عنه مشاكل جديدة تختلف بحسب أعمارهم، ومنها الحزن والاكتئاب، والإخفاق في المدرسة و الشعور بالوحدة والعزلة وصعوبة التواصل مع الآخرين وربّما حمل الطفل دوافع عدوانية تجاه الأبوين وباقي أفراد المجتمع، وفي كثير من الحالات ينشأ الطفل بشخصية غير مستقرة.

لتسكنوا إليها

وأخيراً توجهّنا بالسؤال إلى أحد علماء الشرع ليحدثنا عن هذه الظاهرة، وحكم الشرع فيها، وواجب المجتمع تجاهها، فقال:

جعل الله تعالى من قوام الحياة الطيبة لبني البشر أن يحظى كل من الذكر والأنثى بالشريك الصالح من الجنس الآخر، ضمن الأسس والمبادئ التي شرعها لعباده، وميّزهم بها عن سائر مخلوقاته، وجعل ذلك ممّا ينبغي عليهما أن يسعيا إليه ويطلباه، حتى في دعائهما، فجعل من صفات عباد الرحمن دعاءهم: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[ الفرقان:74] ومنّ على عباده بهذه النعمة العظيمة، والعطية القيّمة، فقال:( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم:21]

واجب المجتمع

ومع ذلك تقع الخلافات بين الأزواج، وهي غالباً تنشأ من عدم التزام كلّ من الزوجين بمنظومة الحقوق والواجبات التي جاء بها الشرع الحنيف، فللزوجة حقوق وعليها واجبات، وللزوج حقوق وعليها واجبات، قال تعالى:(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة:228] ومعرفة كلّ من الزوجين بما له من حقوق ليقف عندها ولا يتجاوزها، وبما عليه من واجبات فلا يقصّر في أدائها، يمنع كثيراً من الخلافات، وهنا يظهر دور العلماء والدعاة في بيان ذلك.

أمّا بعد وجود الخلاف فأهمّ ما ينبغي عمله هو الإسراع في الإصلاح وإزالة الأسباب المؤدية إليه حتى لا تتوسع دائرته، ويزداد أطرافه، قال تعالى:( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) [الأنفال:1] وإذا كان  لابد فليتدخل أهل الخير للتوفيق بين الزوجين والتقريب بينهما، ويذكّرونهما بالعاقبة الوخيمة للظلم والتقصير في أداء الحقوق والواجبات في الدنيا والآخرة.

خاتمة

لاشكَّ أنّ الظروف الصعبة التي نتجت عن الطريقة الهمجية التي واجهت بها عصابات الأسد الثورة السوريّة حفرت آثارها في حياة السوريين من جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسيّة والسياسية وعلى الغالب ستمتدّ آثارها السلبية لما بعد الثورة، لكنّ المعوّل عليه هو وعي السوريين وإدراكهم أنّ هذا الكمّ الهائل من التضحيات التي قدّموها من جميع الجوانب يحتّم عليهم المسارعة لإزالة هذه الآثار وتجاوزها لتحقيق الحياة الكريمة اللائقة بهم.

عبدالكافي عرابي النجار | مصدر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على @123@456@789@ إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى