
حين تسبق الشاشات قاعات العدالة… هل تتحول الدراما إلى شرارة جديدة؟ … مرهف مينو
حين تكون الذاكرة قبل العدالة…
في المجتمعات الخارجة من صدمات كبرى، لا تكون الدراما مجرد فن، بل تتحول إلى مرآة حساسة تعكس ما لم يلتئم بعد. من هنا ينبع القلق المتزايد من أن تسهم بعض الأعمال الدرامية، بقصد أو من دونه، في إعادة إشعال موجات من العنف الأهلي، خصوصًا حين تُستحضر مشاهد الألم قبل أن تستقر النفوس وتُحسم مسارات العدالة.
لقد طُرح السؤال بوضوح: هل ينبغي على الدولة إلزام الجهات المعنية بإيقاف بث مثل هذه الأعمال؟
وهو سؤال مشروع، لكنه في الوقت نفسه معقد، لأنه يضعنا أمام معادلة دقيقة بين واجب حماية السلم الأهلي وضرورة صون حرية التعبير.
المشكلة في جوهرها لا تتعلق فقط بالمحتوى أو الحبكة أو زاوية المعالجة الفنية، بل بواقع اجتماعي محتقن يترقب نتائج المحاكمات، ويعيش حالة ترقب مشوبة بالغضب والخذلان. في مثل هذا السياق، يصبح أي استدعاء بصري مكثف للانتهاكات أو المآسي بمثابة نبش مباشر للذاكرة الجمعية، لا سيما عندما يشعر الضحايا أن العدالة لم تُنجز بعد أو أنها تسير ببطء شديد.
صحيح أن المحاكمات تحتاج وقتًا بطبيعتها، لكن الزمن القضائي البطيء لا يتطابق دائمًا مع الزمن النفسي للمجتمعات، وهنا تكمن الفجوة الخطرة. فحين تُعرض الجراح على الشاشة قبل أن تُعالج في الواقع، قد تتحول الدراما من مساحة للتأمل إلى محفّز للغضب، ومن وسيلة توثيق إلى عامل استقطاب.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الإيقاف القسري أو المنع الشامل ليست بالضرورة الحل الأمثل. فالتاريخ يعلّمنا أن الرقابة الصارمة نادرًا ما تعالج التوترات، بل قد تدفعها إلى التعبير بطرق أكثر حدة وخفاء. كما أن فتح باب المنع الواسع يهدد بتقويض أحد أهم مكاسب المجتمعات: الحق في السرد والنقد والتوثيق.
المطلوب إذن ليس المفاضلة بين الفن والاستقرار، بل البحث عن صيغة توازن واقعية، تقوم على إدارة التوقيت والسياق بدل كبح المحتوى. يمكن للدولة، بدل أن تكون جهة حظر، أن تؤدي دور المنظّم الحذر عبر آليات مثل التقييم المهني المستقل، وتصنيف الأعمال الحساسة، وربط عرضها بمساحات نقاش عامة تساعد على تفكيك الرسائل بدل تركها تتفاعل في فراغ مشحون.
في النهاية، الخطر الحقيقي لا يكمن في الدراما بحد ذاتها، بل في الفراغ الذي يسبق العدالة. فحين يشعر الناس أن الحقيقة لم تُقل بعد في المحاكم، سيبحثون عنها في الشاشات، وحين لا يجدون إنصافًا واقعيًا، قد تتحول الذاكرة إلى طاقة غضب قابلة للاشتعال.
لذلك، فإن الإجابة الأكثر اتزانًا على السؤال ليست نعم ولا لا بشكل قاطع، بل:
لا ينبغي إيقاف الأعمال الدرامية بقرار إداري شامل، لكن من واجب الدولة أن تضع ضوابط مرحلية مسؤولة، لأن حماية السلم الأهلي لا تعني إسكات الذاكرة، بل إدارة حضورها بحكمة حتى لا تتحول من مساحة للفهم إلى شرارة لصراع جديد.



