كيف أنهت تغريدة دونالد ترامب حلم نوري المالكي: حين سقط قبل أن يُنتخب…كرم خليل
في السياسة الدولية لا تُهزم المشاريع الكبرى داخل قاعات التصويت فقط، بل تُهزم أحياناً خارجها، بإشارة واحدة تُعلن أن الشرعية الخارجية لم تعد قائمة. في يناير/كانون الثاني 2026، ومع احتدام الجدل داخل “الإطار التنسيقي” حول ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة “إكس” بوقف المساعدات عن بغداد إذا عاد المالكي إلى السلطة. لم يكن ذلك تعليقاً عابراً، بل تدخلاً استراتيجياً في لحظة سياسية حساسة أعاد رسم حدود المقبول في معادلة الحكم العراقية.
المالكي ليس اسماً عابراً في المشهد العراقي. هو نتاج بنية ما بعد 2003، حيث تأسست السلطة على توازنات مذهبية متحركة وشبكة محاصصة تتغذى من تقاطع الإرادات الخارجية. لكن لحظة 2026 كشفت هشاشة هذا البناء؛ إذ لم يعد الصراع بين معسكرين متقابلين، بل داخل المعسكر نفسه. داخل البيت الشيعي، لم يكن التنافس على شخص بقدر ما كان صراعاً على تعريف المرحلة: هل تُدار الدولة بعقلية مركزية تصادمية تعيد إنتاج نموذج القوة الصلبة، أم بعقلية توازن مرن تُخفف الاحتكاك مع واشنطن وتحافظ على قنوات الدعم مفتوحة؟ هنا بدأ التحول الحقيقي.
النظام العراقي، كما تشكّل بعد الاحتلال، لم يُبنَ على أغلبية صلبة بل على تسوية دائمة بين مكوّنات. في مثل هذه البنية، الأصوات البرلمانية وحدها لا تكفي؛ الشرعية تُبنى على تقاطع الداخل مع الخارج. والولايات المتحدة، بحكم حضورها الأمني والمالي، تظل لاعباً حاسماً في معادلة الاستقرار. لذلك فإن التهديد بوقف الدعم ليس اختلافاً سياسياً، بل إعادة تسعير للمخاطر. إنه إعلان بأن كلفة الاستمرار قد تتجاوز قدرة التحالفات على الاحتمال.
تصريحات ترامب لم تكتفِ بالتحذير، بل أعادت توصيف المرحلة السابقة بوصفها زمناً “غرق فيه العراق في الفقر والفوضى”. هذا التوصيف لم يكن سجالاً إعلامياً، بل عملية نزع شرعية رمزية. في السياسة، إعادة تعريف الماضي تُعيد تحديد أهلية المستقبل. وحين يُعاد تصنيف شخصية سياسية بوصفها عبئاً على الاستقرار، فإن قدرتها على حشد الإجماع تتآكل قبل بدء المنافسة.
في واشنطن، يُقرأ المالكي ضمن سياق أوسع يتصل بإدارة النفوذ الإيراني. ومع تصاعد مقاربة الاحتواء، أصبحت عودته تُفهم باعتبارها تقليصاً لهامش الحركة الأميركي في بغداد. العراق هنا ليس ملفاً داخلياً معزولاً؛ إنه عقدة طاقة إقليمية، وممر استراتيجي، وساحة توازن بين الخليج وإيران وتركيا. وأي اختلال في بغداد يُعاد احتسابه فوراً في معادلات الردع.
مدرسة الوضوح الصادم التي اعتمدها ترامب اختصرت المسافة بين القرار والإعلان. لم تُترك الرسالة للغرف المغلقة؛ خرجت إلى العلن بعبارات مباشرة تربط الدعم بالسلوك السياسي. في بيئة شرق أوسطية تُقرأ فيها الإشارات باعتبارها اختبارات قوة، تحولت التغريدة إلى أداة ضغط علني تفرض إعادة تموضع فورية داخل التحالفات.
في الأنظمة الهشة، لا يحتاج الخصوم إلى إسقاطك؛ يكفي أن تفقد ثقة اللاعب الدولي الأكبر. وحين تُسحب هذه الثقة في لحظة تنافس داخلي حاد، تتقدّم البدائل من داخل المعسكر ذاته، ويتحوّل الطموح من رافعة إلى عبء. السقوط هنا لا يحدث في صناديق الاقتراع، بل في جداول حساب الكلفة والقدرة على الاحتمال.
بغداد في تلك اللحظة كانت أمام معادلة واضحة: إعادة إنتاج توازن داخلي قادر على طمأنة الشركاء الدوليين من دون تفريط بالسيادة، أو الإصرار على مسار يرفع منسوب الاحتكاك ويضاعف كلفة الدعم. أما واشنطن، فأعادت تثبيت قاعدة صريحة: المساندة ليست امتيازاً دائماً، بل نتيجة انضباط استراتيجي وانسجام مع منظومة الردع الإقليمي.
لم تُسقط التغريدة الرجل بمرسوم، لكنها نزعت عنه شبكة الأمان قبل أن يدخل السباق الانتخابي. في الشرق الأوسط، الشرعية لا تُمنح في صناديق الاقتراع فقط، بل في غرف الاعتراف الدولي. ومن يُسحب عنه الاعتراف، يُهزم قبل أن يُنتخب.
هكذا انتهى الحلم عند عتبة الاعتراف الدولي، لا عند صندوق الاقتراع.



