
سمر السباعي : “الوجه الناعم” لمنظومة القمع والتشبيح في حمص
بينما تُقدّم سمر السباعي نفسها في المحافل الرسمية كمهندسة مدنية ووزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، تكشف شهادات الناشطين وأهالي مدينة حمص عن وجه آخر لهذه الشخصية، وجهٌ ارتبط بـ “آلة التشبيح” والتقارير الأمنية التي ساهمت في اعتقال وتغييب العشرات من شباب المدينة خلال سنوات الثورة.
.
من مديرية الشؤون إلى “مكاتب الوشاية”

شغلت السباعي منصب مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في حمص بين عامي 2018 و2021، وهي الفترة التي شهدت ما يُعرف بـ “إعادة الضبط الأمني” للمدينة بعد خروج فصائل المعارضة. وتفيد شهادات متقاطعة من ناشطين محليين بأن السباعي لم تكن مجرد موظفة إدارية، بل كانت حلقة وصل رئيسية مع الأجهزة الأمنية.
وتشير المعلومات المتداولة في أوساط الناشطين إلى أن السباعي استغلت موقعها في الإشراف على الجمعيات الخيرية والمبادرات الشبابية لجمع معلومات عن الناشطين والمتطوعين، وتقديم “تقارير أمنية” دورية أدت إلى ملاحقة واعتقال العديد من الشباب الذين حاولوا العمل في المجال الإغاثي المستقل.
.
“بنت عمتها لأسماء الأسد”: نفوذ التشبيح المطلق
لا يمكن فصل الصعود السريع لسمر السباعي عن شبكة النفوذ العائلي والسياسي التي تحيط بها. ففي مدينة حمص، يُشار إليها بلقب “بنت عمتها لأسماء الأسد”، وهو ما منحها حصانة ونفوذاً مطلقاً داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية. هذا النفوذ مكّنها من تحويل مديرية الشؤون الاجتماعية إلى “إقطاعية خاصة” تُدار بعقلية أمنية، حيث كان الولاء للنظام هو المعيار الوحيد للحصول على المساعدات أو حتى الأمان الشخصي.
.
استغلال المساعدات وتبييض صورة النظام
تُتهم السباعي أيضاً بلعب دور محوري في “تسييس المساعدات الإنسانية”، حيث كانت تُشرف على توزيع المعونات الأممية والدولية وتوجيهها لصالح عائلات الشبيحة والموالين، بينما يُحرم منها أهالي الأحياء التي ثارت ضد النظام. هذا الدور لم يقتصر على الجانب المادي، بل امتد ليشمل “تبييض صورة النظام” عبر رئاستها للهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، حيث حاولت تسويق خطاب “التنمية والأسرة” في وقت كانت فيه آلاف العائلات السورية تعاني من التشتت والاعتقال بسبب تقاريرها وتقارير أمثالها.
.
مطالبات بالمحاسبة والعدالة الانتقالية
مع تعيينها وزيرة في الحكومة الأخيرة، يرى مراقبون أن النظام يُكافئ السباعي على “خدماتها الأمنية” في حمص. إلا أن أصوات الضحايا والناشطين لا تزال تطالب بمحاسبتها ضمن ملفات الانتهاكات الكبرى. ويرى حقوقيون أن سمر السباعي تُمثل نموذجاً لـ “البيروقراطية القمعية” التي ساهمت في استمرار آلة القتل والاعتقال عبر الوشاية والتقارير الكاذبة، مما يجعل من ملفها مادة أساسية في أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية في سوريا.
.
شهادة صادمة: “الست سمر” والتحقيق في أقبية الأمن
تأتي شهادة الناجي “وائل”، أحد شباب حمص الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب، لتلقي بظلالها على الدور المباشر لسمر السباعي في منظومة القمع. يروي وائل تفاصيل مروعة تعود إلى آذار 2019، بعد حل إدارة المؤسسة التي كان يعمل بها ومنع أعضائها من العمل بتهمة “دعم الإرهاب”.
يقول وائل إن السباعي، التي كانت قد عُينت مديرة للشؤون الاجتماعية، دخلت مكتب الإدارة “منتصرة” وطالبته بالاسم. ويصف الأجواء التي سبقت لقاءه بها بالرعب، حيث كان يسمع دعوات “الله يكفيك شرها يا وائل”. وفي مكتبها، صرخت السباعي في وجهه: “وقف عحيلك ونظرك بالارض… شو بكل وقاحة عم تكمل شغلك هون، ماخلصت ثورة بالوعر ولا مارح تذوقو”.
ويكشف وائل أن السباعي وجهت له 12 سؤالاً حول “دعم إدارته للإرهاب بالوعر”، وهي نفس الأسئلة التي كررها المحققون في فرع أمن الدولة لاحقاً. هذه الواقعة تؤكد، بحسب وائل، أن السباعي كانت على تنسيق مباشر مع الأجهزة الأمنية، وأنها كانت “عميلة مدللة لنظام الأسد”.
.
يا جحش أنت علقان مع الست سمر
بعد لقائه بالسباعي، داهمت حشود من سيارات أمن الدولة مكان عمل وائل في المشفى، وتم اعتقاله مع زملائه. يصف وائل لحظات الاعتقال بالصادمة، حيث تم تكبيلهم ووضع أسلحة وذخائر وأدوية أمامهم لتصويرهم كـ “خلية إرهابية طبية”.
في فرع أمن الدولة، تعرض وائل لسلسلة من التعذيب المروّع. وعندما سأله المحقق نفس الأسئلة الـ 12 التي طرحتها السباعي، وأخبره بأنه “سألتهن الست قبلك”، رد المحقق بغضب: “يا جحش أنت علقان مع الست سمر، لك هاي قرايبة السيدة الأولى، لك هاي بتمحيك وبتمحي عيلتك، احكي معلمينك عطوكن دولار للوعر هلأ بتطلع، والله بعيد تركيب عضامك”.
هذه الشهادة تكشف ليس فقط عن دور السباعي في الإبلاغ عن الناشطين، بل عن نفوذها الكبير داخل الأجهزة الأمنية، وقدرتها على تحريكها ضد من تعتبرهم معارضين. وقد أدت هذه التجربة إلى خضوع وائل لثلاث عمليات جراحية في عظام وجهه بعد خروجه من السجن، وما زال يعاني من الألم.
تختتم شهادة وائل بالدعوة إلى العدالة، مؤكداً أن “العدالة مطلبنا الأول والأخير لوائل ولكل من انظلم”. وتُشكل هذه الشهادة دليلاً دامغاً يضاف إلى ملف الانتهاكات الذي يطالب به الناشطون بمحاسبة سمر السباعي وكل من تورط في قمع الشعب السوري.
………………………………
.
.



