
“اللون الواحد”… تهمة أم إشادة؟ … كاظم آل طوقان
كثيراً ما تُردد اليوم شبهة “اللون الواحد” في إشارة إلى أن عناصر الجيش السوري والأمن العام ينتمون إلى مكون واحد.. وهنا يقتضي الرد تقديم جملة من التوضيحات:
الجيش الحالي هو ترجمة حية لمعاناة جيل كابد سنوات القصف والحصار, هم الذين حفروا الأنفاق حين حُرمنا من مضادات الطيران، وهم أبناء القهر الممتد من درعا إلى داريا، فدوما، فحمص، فحماة، فحلب، فدير الزور, أي أنهم أبناء المناطق التي ذاقت “وحدها” الاجتثاث وحرب الإبادة
عناصر هذا الجيش كانوا أطفالاً قبل أربعة عشر عاماً، تركوا الكتب والتحقوا بالكتائب, ولم يحدث أن ترك غيرهم أرضه ومدرسته ليعيش هذا الواقع المأساوي
من غير هذا “اللون الواحد” أعاد تدوير مخلفات حرب الأسد ليواجه بها آلته العسكرية؟ ومن غيره اقتحم التحصينات، وجهز لملحمة ردع العدوان؟.. لكن، ومع ذلك، فإن هذا لا يبرر أن يبقى الجيش بلون واحد, هذا اعتراض مشروع، ويجب التوقف عنده, غير أن السؤال الأهم: هل وضعت الدولة يوماً لافتة على مؤسساتها تقول: يمنع دخول هذا المكون أو ذاك؟ أم أن ما حدث هو العكس تماماً؟,, فمنذ اليوم الأول للتحرير، خرج كهنوتي متطرف يقول: سلاحي كقمحي، ومصلحتي الطائفية فوق الوطن، ولوح بالمواجهة والدم، وطعن بالأعراض، ما دفع بيئته إلى الإحجام عن المشاركة, بل خرجت حتى نساؤه وقلن: نحن لسنا محجبات لسنا متخلفات,, فهل الدولة هي من قالت لهؤلاء: لا تشاركوا؟ هل هي من دفعتهم للغدر بالأمن العام في اللحظات الأولى؟ هل هي من أوحى لهم انتظار عودة النظام عبر أوهام الإنزال المظلي؟ وهل الدولة هي من شجع مشاريع الانفصال، أو رفع شعارات تقسيم البلاد، أو الارتهان لقيادات خارجية؟
في المقابل، ذابت كبرى الفصائل العسكرية السنية، مثل هيئة تحرير الشام وأحرار الشام والجيش الوطني, ذابت سريعاً في بنية الدولة، وقدمت تنازلاً واضحاً لصالح مشروع جامع, فلماذا لا يُنظر إلى هذا بوصفه نموذجاً للاندماج، بدلاً من التركيز على “اللون الواحد” بوصفه تهمة؟ ولا يطلب من الآخرين “المحجمين” عن المشاركة, شرف التنازل والتواضع للمشاركة في بناء الدولة؟
إن “اللون الواحد” هنا ليس خياراً أيديولوجياً، بل نتيجة ظرف تاريخي قاس:
هو نتاج من قاتل، لا من امتنع ومن صمد، لا من تردد, ويكفي أن تعود لكلام الشرع نفسه حينما سئل: من أسقط النظام فقال: أكثر من طرف, فيما قال كهنوتي متطرف: أنا أول من دخلت العاصمة دمشق, والكل يعرف من قاتل وكابد وحارب ومع ذلك لم تقدم “أم الولد” الانتصار بوصفه إنجازا لها , بل نسبته للجميع
“اللون الواحد” الذي يعاب اليوم, هو من حمى بقية الألوان، وأوقف ماكينة القتل التي لم تستثن حتى بيئة النظام نفسه، حيث كانت التوابيت تتدفق يومياً، وامتلأت الجدران بصور القتلى, كما ساهم في وقف تجارة الكبتاغون، وإذلال الشاب المغترب بدفع “البدل”
نعم، إن التنوع في مؤسسات الدولة، بما يعكس المجتمع، هدف مشروع وضروري, لكن الواقعية تقتضي فهم كيف تشكل هذا الواقع, كما أن المقارنة بين جيش العصابة السابق، الذي كان يُسوق على أنه “متنوع”، وبين الجيش الحالي، هي مقارنة فجة, والكل يعرف كيف “علون” تنظيم الأسد كافة مؤسسات الدولة, والكل يعرف من هم “صقور” سلاح الجو والمدفعية والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وضباط الإعدامات والاقتحامات, كلهم من “لون واحد”, والكل يعرف ثقل اللواء السني في الجيش أمام ملازم من ضباط “اللون الواحد”, هذا اللون الذي قتل وهجر الغالبية، وصادر ممتلكاتها وباعها فيما أسماها هو “أسواق غنائم أهل السنة”، ومارس أبشع الانتهاكات، من التعذيب إلى السلاح الكيميائي، وتحالف مع ميليشيات مذهبية عابرة للحدود
فلماذا كان يُبرر “اللون الواحد” حين كان موجها ضد السوريين، ويُهاجم اليوم حين نشأ من معاناتهم؟
الخلاصة فإن “اللون الواحد” ليس تهمة، بل شهادة على من دفع الثمن ومن نظر لدولة المواطنة والبناء عكس الفلول والانفصاليين وعبدة الكهنوت



