الابتذال والفجور بحضور الرئيس أحمد الشرع…د. عوض السليمان

مهما حاولنا تبرير ما جرى في افتتاح صالة الفيحاء في دمشق بحضور السيد الرئيس أحمد الشرع، فلن نجد مخرجًا مقنعًا. التفسير الوحيد الذي يفرض نفسه هو أن هناك توجّهًا رسميًا لترويج هذا النمط الهابط من “الفن”، وإعادة تشكيل الذائقة الاجتماعية باتجاه الانحدار، وكأن نشر الرذيلة بات خيارًا لا يُستحى من إعلانه. ومع ذلك، يبقى هذا التفسير صادمًا لمن يعرف تاريخ هذه الحكومة وخطابها الذي طالما ادّعى مناهضة الفساد والتمسك بهوية الأمة.
هل نحن أمام انقلاب ثقافي عقائدي؟ هل قررت الحكومة أن تتخفف من إرثنا العريق، وأن تلتحق بموجة التفكك التي تضرب بعض المجتمعات العربية، موجة تستهدف القيم والروابط الاجتماعية في عمقها؟ أم أن ما حدث ليس سوى رسالة سياسية مغلّفة بالفن، خصوصًا في ظل توقيتٍ لا يخلو من الدلالات؟ من زيارة للسعودية وتقرب مهين للولايات المتحدة وترامب.
أينما التفتّ في هذه القضية، تصطدم بالعبث. شعبٌ يئن تحت وطأة الفقر، وأولوية الحكومة تصبح افتتاح صالة قائمة أصلًا، بدل أن تفتح مخبزًا، أو تخفّف أسعار الغذاء، أو تتحمّل شيئًا من أعباء الطاقة والكهرباء. أي انفصالٍ عن الواقع؟
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التأويل لندرك أن التركيز على كرة السلة تحديدًا، وما رافقه من استعراضٍ لأغنية أمريكية، يحمل في طياته محاولة مكشوفة للنفاق السياسي، حتى لو جاء ذلك على حساب الذوق العام والهوية الثقافية.
أما الادّعاء بأن هذا “تحديث” أو “مدنية”، فليس إلا وهماً رخيصًا لا يقنع إلا فئة منفصلة عن واقع الناس وأحوالهم. فالمواطن الذي لا يجد كهرباء ليشاهد، ولا لقمة ليطمئن، لن يعنيه هذا الاستعراض، ولن يرى فيه سوى استفزازٍ إضافي لمعاناته اليومية.
ثم تأتي القشة التي قصمت الظهر: تحويل صالة رياضية إلى ما يشبه ملهى راقص، تُبث فيه كلمات تدعو إلى الانحلال بأكثر العبارات ابتذالًا، أمام مرأى ومسمع المسؤولين. فعن أي رسالة تبحث القيادة السورية وإلى أين تريد الوصول؟ وكيف تجرؤ على كل هذا الاستخفاف بمشاعر الشعب الذي أوصل هذه الحكومة إلى سدة السلطة.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجًا: لماذا الإصرار على لغة أجنبية في حدثٍ رسمي؟ أليس في سوريا والعالم العربي مبدعون؟ أم أن الرسالة كانت موجهة للخارج لا للداخل، حتى لو جاءت على حساب الذوق والقيم؟
العالم نفسه، الذي يُراد استرضاؤه، يفرض قيودًا صارمة على المحتوى العام، ويُلغي فعاليات كاملة بسبب كلمة أو موقف. فكيف يُقبل هنا ما يُرفض هناك؟ أ لم تسمع الحكومة السورية عن القيود التي فرضت على جنيفير لوبيز قبل حفلة تنصيب بايدن؟ ولم تلحظ أن القاهرة ألغت حفلات جون إلتون بسبب تاريخ المغني وابتذاله؟
ما خرجت به الحكومة من هذا الحدث لم يكن إنجازًا ثقافيًا، بل رسالة صريحة كشفت حجم الفجوة بينها وبين شعبها، وأظهرت وجهًا مقلقًا قد يمسّ جوهر الهوية التي يفترض أنها تمثلها.
ومع ذلك، لا تزال الفرصة قائمة. فأمام القيادة خياران واضحان: إما الاقتراب من الناس، والإنصات لمعاناتهم، وتمثيل تطلعاتهم بصدق، أو الاستمرار في هذا المسار الذي يعمّق القطيعة.
وفي النهاية، يبقى التاريخ شاهدًا لا يُجامل، وذاكرة الشعوب لا تنسى. كلنا راحلون، أما دمشق فباقية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اتركوا القائد يعمل وكفاكم حقداً
    نعرفكم جيداً في مصدر ونعرف كرهكم للقائد البطل حفظه الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى