“القوائم السوداء” تطارد السوريين في أسواق الذهب الفرنسية : تمييز أم امتثال قانوني؟

باريس – مرهف مينو

في واقعة أثارت تساؤلات حادة حول حدود تطبيق العقوبات الدولية وتأثيرها على الحقوق الفردية، واجه مواطنون سوريون في فرنسا قرارات مفاجئة تمنعهم من شراء الذهب من المحلات المتخصصة. الحادثة التي وثقتها تجربة ميدانية أجرتها “الصحيفة”، كشفت عن وجود “قوائم سوداء” إلكترونية داخلية تُجبر الموظفين على حظر المعاملات فور ظهور الجنسية السورية، وهو إجراء بررته أطقم العمل بتعميمات شاملة تطال كافة محلات الذهب في الجمهورية الفرنسية.

,

كواليس التجربة : “السيستم يرفض”

,
بدأت القصة حين توجه أحد مراسلينا إلى فرع شركة “Godot & Fils”، وهي واحدة من أعرق وأكبر الشركات المتخصصة في بيع وشراء المعادن الثمينة والعملات في فرنسا. الطلب كان بسيطاً: شراء قطعة ذهبية بوزن 5 غرامات. سارت الأمور بشكل طبيعي في البداية، وتم اختيار القطعة وتحديد السعر، ولكن عند الوصول إلى مرحلة التحقق من الهوية – وهو إجراء قانوني إلزامي في فرنسا للمعاملات التي تتجاوز سقفاً معيناً – تغير المشهد تماماً.

بمجرد إبراز الهوية السورية، توقف الموظف عن إدخال البيانات، وظهرت على شاشة الحاسوب رسالة تحذيرية باللون الأحمر الصارخ. تضمن التنبيه اسم “سوريا” تحت عنوان “LISTE NOIRE” (اللائحة السوداء)، متبوعاً بعبارة قطعية بالفرنسية: “Le pays est en liste noire. La transaction doit être bloquée” (الدولة مدرجة على اللائحة السوداء، ويجب إيقاف المعاملة).

,

خلط قانوني : “حظر التصدير” يمنع “البيع الشخصي”

,
المثير للدهشة في تفاصيل الإجراء الإلكتروني الذي عاينه المراسل، هو استناد النظام إلى عبارة “Interdiction d’exporter de l’or” (حظر تصدير الذهب). ومن الناحية القانونية، تستهدف العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا عمليات التصدير التجارية للذهب والمعادن الثمينة إلى مؤسسات أو كيانات داخل الأراضي السورية، أو التعامل مع أشخاص مدرجين اسمياً على قوائم العقوبات.

إلا أن ما يحدث في الواقع الميداني يبدو “تفسيراً متطرفاً” لسياسات الامتثال (Compliance)؛ حيث يتم تعميم الحظر ليشمل الأفراد المقيمين في فرنسا لمجرد حملهم الجنسية، حتى وإن كان الغرض هو الاقتناء الشخصي داخل الأراضي الفرنسية وليس التصدير.

,

تعميم شامل أم سياسة خاصة؟

,
في حديث جانبي مع الموظفة المسؤولية في المحل، أكدت لـ مصدر أن هذا الإجراء ليس اجتهاداً شخصياً أو خاصاً بهذا الفرع، بل هو تعميم تم توجيهه إلى جميع أفرع شركة “Godot & Fils” المنتشرة في فرنسا، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بقولها إن “جميع محلات الذهب في فرنسا تلقت تعليمات مشابهة”.

وتضمنت القائمة السوداء التي شاهدها المراسل دولاً أخرى تعاني من اضطرابات سياسية أو تخضع لعقوبات دولية، مثل أفغانستان، مما يشير إلى أن قطاع المعادن الثمينة في فرنسا يتبنى استراتيجية “صفر مخاطر” لتجنب أي ملاحقات قضائية من قبل هيئة الرقابة المالية الفرنسية (TRACFIN)، حتى لو أدى ذلك إلى ممارسات قد تُصنف كتمييز على أساس الجنسية.

,

صمت رسمي وتساؤلات مفتوحة

,
حتى ساعة إعداد هذا التقرير، يلف الغموض الأساس القانوني الصلب الذي تستند إليه هذه المحلات. فبينما تلتزم إدارة المحل الصمت، تبرز تساؤلات قانونية وحقوقية: هل يحق للشركات التجارية حرمان المقيمين من حق الشراء بناءً على “تنبيهات إلكترونية” لا تفرق بين التصدير التجاري والاقتناء الشخصي؟ وهل تتماشى هذه الإجراءات مع مبادئ المساواة ومنع التمييز التي يكفلها القانون الفرنسي والأوروبي؟

تبقى هذه الواقعة جرس إنذار للسوريين وغيرهم من الجنسيات “المصنفة”، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين مطرقة العقوبات الدولية وسندان سياسات الامتثال البنكية والتجارية التي باتت تتجاوز في قسوتها نصوص القانون نفسه .

 

 

 Or interdit  : quand les Syriens en France se heurtent aux algorithmes des sanctions 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى