
الشجاعة التي انتصرنا بها… والشرف الذي يبقينا … مرهف مينو
من الصعب أن نفهم الشجاعة في جوهرها. فكم من مرّة تحلّى الناس بها انطلاقاً من فكرة سخيفة أو دافع عابر، ومع ذلك لا يبدو أن التشكيك بآراء الآخرين هو الطريق الوحيد لاكتشاف حقيقتها.فهؤلاء الذين يضعون القوانين، أو يتصدّون لمسؤوليات إدارة مصائرنا، قد يعرفون ما هو الأفضل لنا، وقد يجهلونه أيضاً.
المسألة تتعلّق بهويتك أنت، وكيف توازن بين الواجب والمسؤولية في اللحظة التي تُختبر فيها إنسانيتك.
كثيرون فكّروا، ولو سرّاً، بالاستسلام أو الانضمام إلى الجانب الآخر.
وربما لهذا تبدو الشجاعة خادعة في كثير من الأحيان.
فنحن غالباً ننجرف خلف ما يمليه علينا الآخرون، من دون أن نفهم تماماً سبب إقدامنا على ما نفعل.
لكن الحقيقة أن الشجاعة وحدها لا تكفي. فأي شخص، مهما كان محدوداً أو مندفعاً، يمكنه أن يتصرّف باندفاع يشبه الشجاعة.
أمّا الشرف، فهو الدافع الحقيقي وراء الأفعال التي تبقى. إنه ما يحدّد هويتك، وما يرسم خطّ موقفك: مع من تقف، ولماذا.
وإذا متَّ وأنت تحاول تحقيق أمرٍ مهم، فأنت في تلك اللحظة تجمع بين الشجاعة والشرف معاً.
ولهذا تدفعنا التجارب الكبرى إلى أن نسعى للنزاهة قبل الادعاء بالقوة، وأن نتمنى أن يكون الذين يوجّهون حياتنا جديرين بما يدعوننا إلى فعله.
لقد انتصرنا بالشجاعة أربعة عشر عاماً، ونحن نهدم جدران صيدنايا، ونستنشق الكيماوي، ونتغطّى بالسماء، ونمضي ممسكين بالجمرة .
منا من مات، ومنا من ما زلنا نبحث عن عظامه في حفر التضامن، وفي مجاري الصرف الصحي، وفي السجون السرية التي ابتلعت أعماراً وأسماء.
لكن الشجاعة بعد الانتصار لا تُقاس بالصراخ، بل بالصدق.
أن نقول الكلمة كما هي ونمضي، وأن نروي الحكاية بلا مبالغة، بلا تزييف، وبلا خوف.
فهنا، في لحظة الحقيقة، يصبح الشرف هو الامتحان الأخير للشجاعة.



