
سوريا بين “كنا عايشين” و”بدنا نعيش”: جدلية الرغيف وفخ النسيان … نزار الطويل٠
في المسيرة السورية المثقلة بالخيبات، لم تكن الشعارات مجرد كلمات عابرة، بل كانت انعكاسات لموازين القوى والوعي القيمي، في البدايات، حين اختار السوريون مواجهة آلة القمع بصدور عارية، برز تيار “الرصيف الرمادي” الذي آثر السلامة، مختزلاً المأساة السورية في جملة دفاعية واحدة: “كنا عايشين”. كانت هذه العبارة بمثابة صك براءة لمرحلة ساد فيها استقرار زائف، بُني على أنقاض الكرامة وأنين الزنازين، حيث كان “العيش” مشروطاً بالعمى الاختياري عن فساد نخر العظم، وعن قبضة أمنية أحصت على الناس أنفاسهم قبل أرزاقهم.
اليوم، وبعد عقد ونصف من المحرقة السورية، ومن وسط الركام والفقر المدقع، يبرز شعار جديد: “بدنا نعيش” وبين العبارتين، تكمن فجوة ليست اقتصادية فحسب، بل هي فجوة أخلاقية تستدعي الوقوف عندها بمسؤولية لا تقبل المواربة.
واقعية الحق.. وخطورة التوظيف
من الناحية المنطقية، لا يمكن لأي منصف أن يجادل في أحقية المطالب المعيشية، بل إن صرخة الجائع في وجه الانهيار الاقتصادي، ورفض الفقر وتهاوي الخدمات، هي مطالب مشروعة، وهذا ما جسدته مؤخراً حراكات مدنية طالبت بالعدالة الانتقالية وتحسين الظروف المعيشية ورفض تعويم أدوات النظام البائد، لكن الخطيئة تقع حين يُراد لهذا الضنك المعيشي أن يكون بديلاً عن القضية المركزية، لا جزءاً منها.
تكمن الأزمة الحقيقية في تحويل المأساة السورية من قضية “حق وحرية وعدالة” إلى مجرد “أزمة رواتب وكهرباء“، ثم إن القفز فوق الجريمة؛ للشكوى من نتائجها فقط؛ ليس مجرد قصور في النظر، بل هو طعنة في خاصرة الذاكرة السورية المثقلة بدماء مئات الآلاف.
العيش فوق رفات الشهداء
إن الانتقال من “كنا عايشين” إلى “بدنا نعيش” ليس بالضرورة أن يكون انتقالاً بريئاً، فأولئك الذين لاموا السوريين يوماً لأنهم ثاروا، متذرعين بـنعمة الاستقرار، يقفون اليوم وكأنهم اكتشفوا الخراب فجأة.
من جهة أخرى فإن أصحاب الحق لا يعترضون على رغبة الناس في العيش، بل يصرون على أن تكون حياة كاملة وحقيقية، والحياة الحقيقية لا تقوم على مصالحة باردة مع القتلة، ولا على تدوير وجوه الشبيحة في مناصب إدارية أو اقتصادية تحت ستار الواقعية السياسية، فالعيش الذي يُبنى على دفن الحقيقة هو عيش هش، قابل للانهيار عند أول منعطف، وهو في جوهره مجرد إدارة للخراب وليس خروجاً منه.
استعادة المعنى: لا عدالة بلا محاسبة
إن أي خطاب سوري جاد حول المستقبل يجب أن ينطلق من ثنائية لا تنفصل “الكرامة والعدالة”، فالسوريون الذين عرفوا الجوع والنزوح والقصف، لا يحتقرون قيمة رغيف الخبز، لكنهم يدركون جيداً أن الرغيف الذي يُقدم كثمن للصمت عن دماء الشهداء والمعتقلين هو رغيف مسموم.
فهذه البلاد لم تصل إلى هذا المستوى الاقتصادي السيء بسبب تقلبات الأسعار فحسب، بل بسبب نظام استبدادي مجرم، أهلك الحرث والنسل قبل أن يهلك هو أولاً، وبسبب الإفلات من العقاب ثانياً، لذا، فإن الشعار الذي يجب أن يسود هو: “نريد أن نعيش بكرامة وعدالة، نريد حياة”.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة من أعمارهم وأجسادهم، ولن يقبلوا اليوم بأن يطوى سجل القهر بحجة العيش، العيش حق أصيل، لكنه لا يُشترى بالتنازل عن دماء من رحلوا، ففي سوريا التي نستحقها لا تنفصل الحياة عن المحاسبة، ولا يُمكن للواقعية أن تكون مبرراً لنسيان الدم؛ فمن ينسى دماء أبنائه باسم “العيش”، لن يلبث أن يفقد العيش والكرامة معاً.
٠ باحث في السياسة المجتمعية



