رواية لا تقنع أحداً.. هل تُختصر مجزرة بحجم وطن في شخص واحد؟ … مرهف مينو

في ظل الظروف المأساوية التي تعيشها سوريا، تبرز بين الحين والآخر قضايا تكشف عن عمق الفظائع التي ارتكبت بحق الشعب السوري. ومن بين هذه القضايا، تظل مجزرة حي التضامن وما تلاها من اعترافات للمجرم أمجد يوسف، نقطة سوداء في تاريخ الصراع، تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإجرام الأسدي ودوافعه، وتكشف عن محاولات يائسة لتبرئة نظام متورط حتى النخاع. لقد صدم الرأي العام السوري والعالمي باعترافات أمجد يوسف، التي زعم فيها أن قتل آلاف السوريين وحرق جثثهم كان بقراره الشخصي هو ونجيب الحلبي فقط، دون أي توجيه من جهة أعلى.

هذه الرواية، التي تهدف بوضوح إلى اختزال جريمة بحجم مجزرة التضامن في عمل فردي أو ثنائي، تتهاوى أمام أبسط قواعد المنطق والواقع. فكيف يمكن لشخصين فقط أن يقوما بحفر حفرة بحجم حفرة التضامن التي اتسعت لأكثر من أربعين جثة؟ ألا يتطلب ذلك آليات ثقيلة كـ “التركس”؟ ومن قام بتوفير هذا العدد الهائل من إطارات السيارات اللازمة لحرق الجثث؟ ومن دفع تكلفتها؟ ثم، عملية ردم الحفرة بعد ذلك، ألا تحتاج أيضاً إلى آليات وتنظيم.

إن هذه الأسئلة البديهية لا تجد إجابة منطقية في رواية أمجد يوسف. بل إنها تشير بوضوح إلى وجود سلسلة قيادة ودعم لوجستي وتنظيمي لا يمكن أن يقوم به فردان. فعدد الضحايا الذي تجاوز الأربعين وهم مدنيون اعتقلوا من على الحواجز، يطرح سؤالاً آخر: أين تم احتجازهم قبل وقوع المجزرة؟ وكيف تم تسليمهم لأمجد يوسف؟ وهل يمكن نقل هذا العدد من المعتقلين دون أوامر صريحة من ضباط برتب أعلى؟ وكيف تم تبرير اختفائهم لاحقاً من السجلات الرسمية؟

كل هذه التفاصيل تؤكد أن ما حدث لم يكن عملاً فردياً بدافع الانتقام الشخصي، بل كان جزءاً من سياسة ممنهجة ومنظمة. إن محاولة تحميل المسؤولية لشخص واحد أو شخصين، وإغلاق الملف بهذه الطريقة، لا يمثل سوى محاولة يائسة لتبرئة أطراف أخرى وأعلى في سلسلة الإجرام. ربما هي محاولة لغسل أيدي المتورطين الحقيقيين، وتقديم كبش فداء لتجاوز المحاسبة الحقيقية. وهذا يتنافى تماماً مع مبادئ العدالة، التي لا يمكن أن تتحقق باختزال جريمة بهذا الحجم في أفراد قلائل.

أما عن الدوافع التي تدفع “قطيعاً كبيراً من آلاف السفلة” لاعتبار مرتكبي هذه الجرائم أبطالاً، أو للانخراط في هذا الإجرام السادي، فهي تتجاوز مجرد الولاء لبشار الأسد. فكثيرون من هؤلاء كانوا يعتقدون أن بشار تافه ولص ولا يستحق التضحية من أجله. إن الدافع الحقيقي يكمن في ثقافة الإفلات من العقاب، وفي النظام الذي يغذي الوحشية ويمنح الضوء الأخضر للمجرمين للتفنن في التعذيب والتجويع والتنكيل بالمعتقلين وجثامينهم، ثم التفاخر بجرائمهم.

بيئة “أسدية” سمحت للسادية بالازدهار، ووفرت غطاءً رسمياً للفظائع. إن دماء الشهداء لا يمكن أن تتحول إلى تسويات. فالعدالة الحقيقية تتطلب محاسبة كل من تورط في الجريمة، وكل من ساعد المجرمين على الفرار والاختباء، دون استثناء. يجب على الجهات المعنية أن تعيد النظر فيما تم بثه، وأن تفتح تحقيقاً حقيقياً وشفافاً يكشف كل الحقائق، ويضع حداً لمسلسل الإفلات من العقاب الذي طالما شجع على المزيد من الجرائم. إن العدالة هي السبيل الوحيد لشفاء الجراح، وبناء مستقبل لا تتكرر فيه هذه الفظائع.

 

عن الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى