
محمد قويض.. الكرامة في ملعب الدكتاتورية … حيان الغربي
لم ألبث أن اتخذتُ مكاني مع ثلاثةٍ من أصدقائي على مدرّجات ملعب العباسيين في دمشق، ذات يومٍ من أيام شهر أيّار/ مايو من العام 1998، وبينما نحن بانتظار بدْء المباراة النهائية ضمن بطولة كأس الجمهورية ما بين نادييْ الكرامة الحمصي والجيش السوري، حتى بدأتْ تتناهى إلى مسامعنا النِّكات التي أخذت الجماهير من حولنا تتبادلها حيال هذا الطوفان الحِمصي الكبير في الملعب.
لقي أحدهم صديقه على المدرّجات صدفةً فبادر بسؤاله ممازحًا: أنت أيضًا هنا؟ من بقي في حمص إذن؟، أجاب الآخر: الوثباوية فقط، مشيرًا إلى جمهور نادي الوثبة، جار الكرامة اللدود في مدينة حمص، فما كان من الأول إلا أن علّق قائلًا: إذن لم يبقَ فيها أحد. وضحك الصديقان وضحك كل من سمع حوارهما، بمن فيهم نحن.
لاشك أن النكتة لدى جمهور الكرامة كانت عادةً جارية، لكن الحماصنة في تلك المباراة على وجه الخصوص لم يتبادلونها ابتغاء المٌتعة والتسلية فحسب؛ ولكنهم سعوا من خلالها أيضًا إلى تخفيف حدّة التوتر الذي سيطر على الجمهور إذ يحضر مباراةً هي أشبه ما تكون بمعركةٍ قد يحمى وطيسها في أيّة لحظةٍ بما قد يضطره إلى التشمير عن سواعده للمشاركة فيها حرفيًا.
عنف مفرط
كان لذلك أسبابٌ عدّة هامة غير مباشرة، ومنها الأخطاء التحكيمية المتعمَّدة التي تعرّض لها الكرامة خلال مبارياته في الدوري بما أفضى إلى خسارته لكأس الدوري لصالح الجيش نفسه. ولكن ثمّة سبب مباشر لا يقلّ أهميةً أيضًا، فقد شهدت آخر مباراةٍ جمعت الفريقين خلال مسابقة الدوري احتساب ركلة جزاءٍ لم يرها سوى حكم المباراة على ما يبدو، الأمر الذي أشعل احتجاجاتٍ عارمةً ليس في صفوف الجماهير وحسب؛ وإنّما أيضًا ما بين لاعبي الفريق الأزرق وطاقمه التدريبي الذين لبّوا دعوة الجماهير الغاضبة إلى الانسحاب من المباراة بدايةً قبل أن يُعدلوا عن قرارهم تحت تأثير الضرب المبرح من جانب قوات حفظ النظام الموجودة في الملعب.
وكانت قوات حفظ النظام قد تحرّكت بأوامر من مدير نادي الجيش، الضابط برتبة عميد، بعد أن رفض فريق الكرامة طلبه بالعودة إلى أرض الملعب لاستئناف المباراة، علمًا بأنه كان أقرب إلى الأمر منه إلى الطلب بطبيعة الحال. سجل مهاجم الجيش الركلة وانتهت المباراة بالتعادل الإيجابي، الذي كان يصبّ في مصلحة الجيش بحسابات النقاط، الأمر الذي أشعل المدرّجات الكرماوية فاندلعت أعمال شغبٍ شارك فيها قطاع واسعٌ مع الجماهير، التي استخدمت ما تيسّر لها من أخشاب المقاعد والكراسي لمواجهة هجمات قوات حفظ النظام بالهراوات والغاز المسيّل للدموع.
كنتُ شاهد عيانٍ أيضًا على العنف المفرط الذي تعرّض له اللاعبون والجماهير في تلك المباراة، وشعرت بما يشبه نشوة الانتصار حين رأيت مدير نادي الجيش وهو يهرول هاربًا من قطع الأخشاب التي انهالت عليه الجماهير بها إثر وقوفه أمامها متحديًا، كانت وقفةً تنضح بالصلافة والعنجهية والتعالي مما استفز الجماهير، التي كانت جاهزةً للرد على نحو ما ذُكر.
بالنسبة لي، كانت تلك هي المرّة الأولى التي أرى فيها بأم العين كيف تردُّ الدولة بعنفٍ مفرطٍ على شريحةٍ من مواطنيها، لا لشيءٍ إلا لاعتراضهم على قرارٍ مجحفٍ في لعبة كرة قدم، ورأيت أيضًا كيف يتمتع مدير نادي جيش سوريا الأسد بالصلاحية المطلقة لا لفرض نتيجة المباراة مسبقًا وحسب، وإنّما لقمع أيّة محاولةٍ للاعتراض والردّ عليها بالاعتداء والضرب والاعتقال (طبعًا اُعتقل العشرات من مشجّعي الكرامة بنهاية المباراة).
لاحقًا سخر فوّاز مندو، لاعب الوسط في فريق الكرامة، من تعليق المراسل الرياضي للتلفزيون السوريّ بأن أخطاء الحكّام بشرية وفردية بالقول: “كل مرة يُقال لنا خطأ بشري، قد نهبط إلى الدرجة الثانية بفعل هذه الأخطاء البشرية”، في حين ردّ محمّد قويض، مدرّب الكرامة آنذاك، مستنكرًا: “لا يجوز أن نمضي وقتنا في التحضير والاستعداد لتطيح هذه الأخطاء البشرية بما بذلناه من الجهود طيلة الموسم. هذا غير مقبول”.
تضييقات نظام الأسد
عقب الاحتجاجات التي شاركت فيها فئات متعددة من المجتمع السوري في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، فرض نظام الأسد الأب تضييقًا صارمًا على الفضاءات العامة في سوريا، وهي فضاءات لم تنسحب منها الدولة لصالح المواطن على الإطلاق، وإنما حافظت على حضورٍ وازنٍ فيها ضمنيٍ تارةً وصريحٍ تارةً أخرى بما يتناسب دائمًا مع إبقائها مضبوطةً على ساعة السلطة.
وقد اقتصرت تلك المجالات بصورةٍ رئيسيةٍ على دور العبادة (بعد السيطرة التامة على المؤسّسة الدينية الرسمية) وعددٍ من الفضاءات الأخرى، التي تعدّ غير ذات صلة بموضوعنا هذا لعدم أهميتها مقارنةً بالميادين الرياضية المختلفة، وبملاعب كرة القدم على وجه التحديد.
لطالما شغلت كُرة القدم مساحة واسعة من اهتمام الشباب على الصعيد المحلّي في سوريا، كما أن الممارسات القمعية التي انتهجها النظام في الميادين السياسية المباشرة دفعت بالجماهير إلى مدرّجات الملاعب، إضافة إلى تحقيق المتعة والفرجة، بحثًا عن مكانٍ يسعها فيه التعبير عن نفسها وممارسة هامشٍ من الحرّية والمعارضة “السياسية” الضمنية من خلال شتم (الشتم: بما هو عنف لفظي يرد الجمهور الأعزل من خلاله على العنف الجسدي والنفسي الصريح الذي تمارسه السلطة ضده) الحكّام واللجان التنفيذية واتحاد الكرة والاتحاد الرياضي وكل ما يمثّل الدولة في نظرها، ولا شكّ أن نادي الجيش كان واحدًا من أبرز هذه الجهات التمثيلية لدولة الأسد، وقد تمتّع بالدعم المالي والامتيازات الخاصّة والمحاباة التحكيمية، لا بل لم تدّخر السلطة جهدًا في سبيل أن تبقى يد الجيش هي العليا في مضمار كرة القدم السورية.
إذن، سادت أجواءٌ من التوتّر والقلق قبيل نهائي كأس الجمهورية، ونشرت السلطة عددًا كبيرًا من قوّات حفظ النظام في الملعب وما بين الجماهير، وبخلاف ما ارتدته عناصر تلك القوّات من الخوذ والدروع وما حملته من الهراوات، كان بمقدورنا أن نرى الكثير منها مرتّبةً بجانب عددٍ كبير من البراميل المرصوفة على الجوانب الداخلية للمدرّجات. تساءل كثيرون منّا عن سبب وجود تلك البراميل، وما زلت شخصيًا أجهل سبب ذلك حتى اللحظة، بيد أنني لا أنكر أن مشاهدتها مرصوفةً إلى جانب أدوات “حفظ النظام” أثارت في نفوسنا مزيدًا من الخوف والريبة.
أعلن المعلّق الرياضي عبر مكبّر الصوت الداخلي في الملعب عن حضور مصطفى طلاس، وزير الدفاع آنذاك، للمباراة، وردت الجماهير بشيءٍ من التصفيق، فتنفّس الجميع الصعداء معتقدين أن سلوك الجماهير سيستمر على المنوال ذاته طيلة المباراة، إلا أن هذه الأوهام سرعان ما تبدّدت لدى الإعلان عن حضور “الرفيق” سميح مدلل، رئيس الاتحاد الرياضي العام في سوريا في تلك الآونة، الأمر الذي قابلته الجماهير بصيحات الاستنكار وصافرات الاستهجان وبأقذع الشتائم للاتحاد ولجنته التنفيذية.
صوت الجماهير
من ثمّ تأكّد لنا جميعًا أن الخوف الذي تحدّثنا عنه سابقًا ما كان ليُثني هذه الجماهير المخلصة لناديها، لا بل ولمناوئتها (الضمنية) للسلطة ومن يمثّلها، عن انتهاج سلوكٍ تصعيدي كان لينفجر في أيّة لحظةٍ لو تعرّض الكرامة لأي قرارات ظالمة خلال المباراة، الأمر الذي لم يحدث في تلك المباراة على وجه التحديد. فعلى خلفية الأحداث التي شهدتها المباراة السابقة بين الفريقين، تم تكليف الحكم الدولي، جمال الشريف، المعروف بنزاهته ومهنيته العالية بإدارة مباراة الكأس تلافيًا لأيّة تداعياتٍ لا تحمد عقباها.
شرع المعلّق الرياضي بالإعلان عن أسماء لاعبي الكرامة وطاقمه التدريبي، فأتبعت الجماهير ذكر كل اسم بتحية الشخص المعني والهتاف بصوتٍ مزلزل: “الكرامة يلعب بالملعب والجيش يربح بالمكتب”، ومن ثم أرعد صوت الجماهير وهي تهتف بغضبٍ عارم: “بالطول بالعرض حنجيب الجيش الأرض”، لدى بدء الإعلان عن أسماء لاعبي الجيش، وقد ترددت أصداء هذا الهتاف في حي العباسيين الدمشقي والأحياء المجاورة في العاصمة دمشق، نعم كان هتافًا في مباراة كرة قدم لكنه لم يكن كذلك وحسب، وإنما كان محمّلًا بشحنةٍ رمزية هائلة تعكس حجم الغضب الذي يعتمل في نفوس المواطنين ضد السلطة الحاكمة وجيشها، فلا شك أن السلطة والجماهير يعرفون تمام المعرفة أن المقصود كان “الجيش” بما يمثّله وليس نادي كرة القدم، حتى وإن تواطأت السلطة والجماهير ضمنيًا على إخفاء هذا التصدّع تلافيًا للعواقب التي كانت لتفضي إليها المواجهة الصريحة.
لا شكّ أن ثمة مفارقةً كبيرةً في أن يقتصر جمهور نادي جيش السلطة “الوطنية” على بضع مئاتٍ من الأفراد أغلبهم من الجنود الذي أُحضروا من قطاعاتهم العسكرية لتشجيع الفريق في ما يشبه أداءً لمهمة عسكرية قسرية، بينما تمكّن أحد النوادي في إحدى المحافظات أن يحشد كل هذا العدد الغفير ممن تحمّلوا طواعيةً مشقّة السفر من مدينةٍ إلى أخرى لمؤازرة الفريق ودعمه.
نادي الطائفة
إبان ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم نجح الكرامة في استقطاب فئاتٍ متنوعة من الجماهير الحمصية، ولكن أغلبها كان من أبناء الطائفة السنّية مع حضور خجولٍ من أبناء بقية الطوائف في المدينة، حتى كان بالإمكان الحديث بضميرٍ مرتاح عن أن النادي كان نادي الطائفة بامتياز. غير أن حقبة محمد قويض الأولى مع النادي (1997- 2001)، التي دأب الكرامة خلالها على الحلول في المركز الثاني في الدوري غالبًا مع تعرّضه للكثير من الأخطاء التحكيمية بطبيعة الحال، انطوت على إرهاصاتٍ للتغيير الكبير الذي طرأ على تركيبة جمهور الكرامة خلال حقبته الثانية.
ففي فترته الأولى تمكّن أبو شاكر وفريقه من تقديم نموذجٍ يقوم على أسلوبٍ اللعب الجميل والمهنية والتفاني في العمل والذكاء والتواضع والانسجام ما بين اللاعبين وما بين الطاقم التدريبي وما بين اللاعبين والطاقم التدريبي وإخلاص الفرد للمجموعة والعمل بصمت وندرة التصريحات (والابتعاد عن الرنّانة منها) والفعالية والحضور القويّ في الميدان، والالتصاق بالجماهير والسعي الدائم إلى إسعادها، إذ صرّح قويض في إحدى المقابلات الصحفية في وقتٍ لاحق: “أفضّل أن تنشقّ الأرض وتبتلعني على أن أخذل جماهير نادينا”.
وقال في تصريحٍ آخر خلال فترته الثالثة: “تركت الإمارات وتركت الأموال لأعود وأعيد السعادة إلى جماهيرنا”، وهكذا دخلت عناصر جديدةٌ من بقية الطوائف المتواجدة في المدينة إلى المشهد لتضفي ألوانًا جديدةً على اللوحة الجماهيرية الكرماوية وإن بشكلٍ طفيف.
النادي الدكتاتوري
في المقابل، كان النموذج الذي قدمته السلطة من خلال نادي جيشها مناقضًا تمامًا لكل ما ورد أعلاه، فمدير النادي يُعيّن دائمًا من الضباط النافذين ويحضر المباريات الهامة ويتحكّم بنتائجها علانيةً أحيانًا (كما ذكرنا آنفًا) كما يتمتع بالتخويل من السلطة بالاستحواذ على أي لاعبٍ من أي نادٍ آخر في سوريا وفقًا لما يحلو له، وذلك إمّا من خلال استدعاء اللاعب المنشود إلى الخدمة الإلزامية وإغرائه بأدائها في النادي بما يجنّبه كابوس الخدمة الميدانية في القطعات العسكرية، أو باللجوء إلى الترغيب بالمبالغ المالية وغيرها من المزايا إن كان اللاعب قد أدّى خدمته الإلزامية بالفعل أو كان معفًى منها.
وقد اتسم هذا السلوك بالاستعلاء والتمييز الصارخ والتحيّز وقمع من تسوّل له نفسه الاعتراض وتهميشه والاستخفاف بالجهود المبذولة من قبل الفاعلين في بقية الأندية وبمشاعر جماهيرها وتطلّعاتها. وبالتالي استند وجود السلطة من خلال نادي جيشها في هذا الحيّز العام إلى سياسة الإلغاء والقسر والإكراه وعدم الاكتراث باستقطاب أيّة شريحةٍ من الجماهير، وإن حاولت أن تتقمّص دور الطرف المتعالي الذي يحتفظ بمسافةٍ واحدةٍ من بقية الأطراف، لا سيما خلال زمن الأسد الأب.
خلافًا لكلّ التوقّعات التي سبقت المباراة، مُني الكرامة بالهزيمة بنتيجةٍ كبيرة (2-5)، وقد أرجع بعضنا السبب إلى استخفاف لاعبي الكرامة بقدرات الفريق المنافس واستسهالهم الفوز بالمباراة مما سهّل على الجيش أن يأخذهم على حين غرّة إذ دخل المباراة بقوّة وتمكّن من الحفاظ على مستواه حتى نهايتها، في حين أحال بعضنا الآخر السبب إلى المنشّطات، التي تشكّل وسيلةً للغشّ يتعذّر على الجماهير اكتشافها حسب زعمهم، وهو أمرٌ يبدو غير مستغربٍ اليوم في جمهورية باتت تُعرف بعد زهاء عقدٍ ونيّف بـ: “جمهورية الكبتاغون”.
بعد نحو ثلاثة أعوام، وبعد أن حالت ظروف كرة القدم السورية بينه وبين تحقيق إنجازٍ فعليٍّ يلبّي طموحاته، قرّر أبو شاكر خوض تجربة احترافيةٍ خارجية في لبنان، وتمكّن هناك بالفعل من تحقيق عددٍ من البطولات مع نادي العهد، كما تم تعيينه مدرّبًا للمنتخب الوطني اللبناني، فقاده خلال تصفيات كأس العالم 2006 إلى إحراز نتيجةٍ كبيرةٍ من خلال التعادل الإيجابي بنتيجة 1-1 مع المنتخب الكوري الجنوبي (أحد المنتخبات الأربعة الكبار خلال كأس العالم 2002).
في غضون ذلك، ومع اعتلاء وريث الدكتاتور سدّة الحكم في البلاد تحت عنوان: “التحديث والتطوير”، أُدخلت بعض التغييرات على الاقتصاد السوري، الذي أخذ يتحوّل تدريجيًا نحو الاقتصاد الريعي والخدمي وبات يستند بصورةٍ أساسية إلى حركة المصارف والأموال والنأي بالدولة عن الاستثمارات المباشرة والحدّ من الإنفاق الحكومي قدر المستطاع مع إهمال الاقتصاد الزراعي، لا بل والتخلي عنه بصورةٍ تامة.
هكذا، أتيحت الفرصة لولوج شرائح جديدة من التجّار السوريين وغير السوريين إلى الأسواق، بمن في ذلك ورثة الحرس القديم الذين جنوا ثرواتهم أصلًا من النهب المنظّم للقطاع العام على مدى ثلاثين عامًا، والذين بدخولهم معترك القطاع الخاص تخلّت السلطة (الاحتكارية في جوهرها) عن “حياديتها” النسبية لتصبح طرفًا ومنافسًا صريحا يتمتع بمزايا كثيرةٍ تفتقر لها بقية الأطراف بما يمنحه أفضليةً كبيرةً بحسابات علاقة القوة البينية التي كانت سائدةً في الحيز الاقتصادي.
الدكتاتور الإبن
وفي هذا السياق، ومن خلال هذا السلوك، تبدو السلطة الوريثة منسجمةً مع نفسها من حيث تنازلها الطوعي عن دور “الطرف الأسمى” و”الطرف المحايد” الذي سعت لأن تلزم نفسها به (وإن ظاهريًا) في حقبة الدكتاتور الأب حافظ الأسد، كما أشرنا، وهو سلوكٌ يشبه تمامًا، إن لم نقل يطابق، سلوك السلطة في مضمار كرة القدم، الذي تحوّلت فيه مع أفول حقبة الدكتاتور الأب إلى طرفٍ منافس من خلال نادي جيشها، الذي تمتع بامتيازاتٍ غالبًا ما أثارت نقمة بقية الأندية دون أدنى شك.
يعلم الجميع اليوم أن هذه السياسات لم تؤتِ أُكلها من حيث تحديث وتطوير القطاعات الاقتصادية للدولة أو بناها المجتمعية، فعلى الرغم من الفائدة التي جنتها تلك الفئات المحدودة من التجار، بخلاف فئة ورثة السلطة (التي كان دورها سلبيًا دون أدنى شك)، والتحسّن النسبي في المستويات المعيشية للموظفين الحكوميين والعاملين في القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالدولة، إلا أن فئاتٍ شعبيةً أوسع نطاقًا خسرت مصادر رزقها شيئًا فشيئًا لا سيما مع الانفتاح الاقتصادي غير المدروس على الجارة تركيا وإغراق الأسواق السورية بالمنتجات التركية، التي تعذّر على المنتجات السورية منافستها سواءً من حيث الجودة أم من حيث الأسعار.
زد على ذلك، أن الطريقة الكارثية التي انتهجها “وريث الدكتاتور” في السياسة الخارجية، والتي تقوم بصورةٍ أساسية (كما هو معلوم) على استغلال المشكلات القائمة لدى الدول المجاورة أو افتعالها بالاعتماد على الجماعات المسلّحة العابرة للحدود ومن ثم ابتزاز تلك الدول للمساعدة على حلّها.
فعلى سبيل المثال، ألحق هذا ضررًا كبيرا بحركة الشاحنات عبر مختلف الحدود السورية، علمًا بأن قطاع النقل كان كفيلا بتوفير فرص عملٍ لنسبٍ كبيرةٍ من أبناء المدن والأرياف السورية، ولا سيما الحدودية منها، ناهيك عن أنه قد أثّر سلبًا على حركة تهريب السلع الزراعية والغذائية وغيرها من الأراضي السورية وإليها وعبرها، وقد كان هذا النوع من التهريب يشكّل عصب الحياة لما يمكن أن ندعوه اقتصادًا موازيًا وفّر مصادر دخلٍ لفئةٍ لا يستهان بها من السوريين. ولعلّه من السهل علينا الآن الحكم على السياسات التي انتهجتها السلطة آنذاك بالفوضوية والاعتباطية واللامنهجية، بما جعلها أبعد ما تكون عن إطلاق وترسيخ عملية تطوير وتحديث فعليةٍ.
على الرغم من ذلك، ومع دوران عجلة التغييرات تعاملت فئاتٌ من التجّار الوطنيين بصورةٍ إيجابية مع خطاب السلطة المستجد هذا وسعيها إلى استغلال الفرص الاستثمارية التي أتاحتها (وإن بصورةٍ محدودة)، ولا ريب أن ذلك قد شمل الانخراط في مجال تمويل أندية كرة القدم السورية وتطبيق الاحتراف الداخلي ما بين هذه الأندية بدايةً، ومن ثم السماح بشراء اللاعبين والمدرّبين من الخارج، وإدخال تغييرات جزئية على طريقة إدارة الأندية الرياضية من خلال تخفيف قبضة الاتحاد واللجنة التنفيذية، ومنح هامش أوسع من الحرية لمجالس الإدارية المحلية للأندية.
وهكذا، توفّرت للكرامة (شأنه شأن بقية الأندية السورية الكبرى) فئة من التجار والصناعيين القدامى والجدد ممن بادروا إلى اقتناص هذه الفرصة الاستثمارية المبشّرة لا سيما في ضوء الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها كرة القدم (وكرة السلّة بدرجة أقلّ) في الشارع السوري عمومًا والحمصي على وجه التحديد، ناهيك عن الشعبية الكبيرة التي يحوزها الكرامة لدى الجمهور الحمصيّ.
وكحال أي مشروعٍ استثماريٍّ آخر، لا بدّ لنجاحه من استيفاء جميع العناصر والشروط ذات الصلة، بما في ذلك استقدام المدير المناسب ربما قبل أي شيءٍ آخر. وكان أبو شاكر خلال تجربته الأولى مع الكرامة قد استحوذ على قلوب الجماهير الحمصية وكسب احترام الخصوم قبل المشجعين، وبالنظر إلى النجاح الذي ما انفكّ يحرزه في لبنان على مرأى من جميع متابعي الكرة السوريّة والعربية، بمن في ذلك أعضاء مجلس إدارة النادي، من تُراه يمثّل خيارًا أنسب منه للتصدّي لمهمة المدير الفني للفريق؟
عودة أبو شاكر
سارع محمد قويض إلى تلبية النداء وتولّى مهمة تدريب الفريق لفترته الثانية في العام 2005، ولا شك أنه لم يكن مدفوعًا بمحبته وإخلاصه للنادي وحسب، وإنما كان الأمل يحدوه أيضًا لتحقيق المزيد من البطولات التي حُرِم من بعضها لأسبابٍ مختلفة، بما في ذلك التحيّز والممارسات الظالمة لاتحاد كرة القدم، ولا سيما بعد الخبرات الواسعة التي اكتسبها خلال تجربته الاحترافية في لبنان.
إذن عاد أبو شاكر، ولكن ليس كما غادر، فقد أصبح يُدرك تمامًا أن مقوّمات النجاح لا تقتصر على التحضير البدني والذهني للاعبين (على أهميته) قبيل المباراة، وإنما على حسن التدبير والإدارة العامة للفريق من خلال الاستعانة بالمستشارين المناسبين وخلق مهام جديدة تيمّنًا بالأندية الناجحة في العالم والتوزيع الصحيح للأدوار استنادًا إلى الكفاءات والخبرات الاحترافية والتخطيط طويل الأمد واستكشاف المواهب المناسبة المتاحة واستقدامها من الملاعب السورية وغيرها وفقا للإمكانيات المتوافرة (بصرف النظر عن الانتماءات والهويات الفرعية للاعبين بما انعكس تنوعًا أكبر في تشكيلة الفريق.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن أبا شاكر، في تجربته اللاحقة مع المنتخب الوطني قد استدعى ثلاثة لاعبين مسيحيين من المحترفين في الخارج دفعةً واحدة، أي ما يكاد يعادل عدد اللاعبين المسيحيين الذين استدعوا إلى المنتخب السوري على مدى الأعوام الثلاثين التي سبقت حقبة قويض) واجتراح الحلول الناجعة والسريعة للمشكلات وتوفير البدائل ووضع الخطط البديلة والاستغلال الأمثل للدعم السخي الموفّر من الإدارة، التي أثبتت قناعتها الراسخة بقدرات الكابتن محمد على النجاح.
وبالفعل، لم يخيّب أبو شاكر ظنّ الإدارة والجماهير الكرماوية، ليحقق لقب الدوري الذي غاب عن خزائن النادي لمدة عشر سنوات (وتجدر الإشارة إلى أن النادي حقق البطولة للمواسم الثلاثة التالية بإجمالي أربع بطولات متعاقبة بما يعادل عدد البطولات التي حققها طيلة تاريخه سابقًا) ويلحق الهزيمة بكبار الأندية في القارّة الآسيوية على طريق التأهل إلى المباراة النهائية لدوري أبطال آسيا (مما شكّل مفاجأةً كبرى لجميع المعنيين في القارّة الصفراء).
خسر الكرامة المواجهة أمام تشونبك الكوري بنتيجة 2-3 بمجموع مباراتي الذهاب والإياب، وبالتزامن مع الانتصارات الكبيرة التي أخذ يحققها، وفي ضوء جميع عوامل نجاحه سالفة الذكر، شرعت قطاعات وشرائح أوسع من الجمهور تنخرط في تشجيع الفريق، الذي لم يعد فريق طائفةٍ محددة بكل تأكيد وإنما أصبح فريقًا يعكس تطلّعات مختلف أطياف جماهير الكرة السورية في حمص، كما بدأ الملعب البلدي في حمص يشهد حضورًا نسويًا ومشاركةً فعّالة من العنصر النسائي ربّما للمرة الأولى في تاريخ الكرة السورية.
علاوةً على ذلك، تمكّن الكرامة تحت إشراف محمد قويض من استقطاب الجماهير السورية من مدن ومحافظاتٍ أخرى، من أهمها العاصمة دمشق ومحافظات طرطوس ودرعا وإدلب، التي تأسست فيها فروعٌ لرابطة مشجعي النادي. وفي نهاية المطاف، أخذ الكرامة يزاحم أنديةً عريقة على جماهيرها، بما في ذلك الأندية الدمشقية، التي تعد من أعرق الأندية السورية (وربما العربية)، ومن المعلوم أن الجماهير الدمشقية بالتحديد هي من الجماهير الأكثر تنوعًا في سوريا قاطبةً.
إذن تمكّن قويض من اقتحام هذا الشأن العام من أوسع أبوابه من خلال صنع نموذجٍ وطنيٍّ حديثٍ وحداثيٍّ بامتياز، لا بل واستنادًا إلى هذا النموذج الفذّ حقا، استطاع أن يؤسس لذلك التفاعل النشط ما بين النجاح واستقطاب المزيد من الفئات والشرائح، وما فتئت تلك العلاقة الجدلية تتنامى وتتطوّر ليغذّي كل من طرفيها الآخر على نحوٍ متواصل، فكلّما حقق نادي الكرامة نصرًا كبيرًا اتسع نطاق جماهيريته، وكلّما كبر جمهوره شكّل ذلك دافعًا أكبر للإدارة والطاقم التدريبيّ واللاعبين لإحراز المزيد من النجاح. وبحسب القانون الفيزيائي الشهير، يواصل كلّ جسمٍ متحرّك حركته إلى ما لا نهاية ما لم توقفه قوةٌ مناوئة أشد.
سياسة التفريق
إذن كان لا بدّ للسلطة من التدخّل لوضع حدٍّ لهذا النموذج، لكن لماذا؟
يعلم القاصي والداني من المهتمين بكرة القدم السورية أن محمّد قويض يمثّل نموذجًا لفئةٍ كبيرةٍ من المواطنين السوريين، وهو نموذج الإنسان الملتزم دينيًا الذي يستمدّ منظومته الأخلاقية والوجدانية من الموروث الديني على نحوٍ غالبًا ما يكون ظاهرا للآخرين في الشأنين الخاص والعام على حدّ سواء.
بيد أن السلطة كانت قد روّجت (للخارج والداخل) صورًا نمطية جامدة لنماذج عصيّة على التغيير والتفاعل البيني فيما يخص مختلف فئات الشعب السوريّ وأطيافه، ولا سيما الأكثر قدرةً على التأثير في الشأن العام، ولا يخفى على أحد أنها سعت من وراء ذلك إلى ترسيخ التفرقة والحيلولة دون نشوء أي مشاريع وطنية عابرة للهويات الفرعية، بما يؤكّد على وجودها بوصفها هويات متنافرة ومتناحرة، والتظاهر بأن السلطة هي الجهة الوحيدة القادرة على إنتاج أي مشاريع كهذه وتصدير هذه الصورة عن نفسها أيضًا إلى الداخل والخارج على حدّ سواء، بما يثير ويعزّز حالة مستمرة من الخوف وانعدام الثقة ما بين فئات الشعب من جهة، وما بين الخارج والداخل السوريّ من جهةٍ أخرى على قاعدة أن السلطة تمثّل صمّام الأمان الوحيد الكفيل بمنع أيّ انفجارٍ مفاجئٍ للداخل بما قد يشكّل مصدرًا لمخاطر كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولم تكن السلطة لتسمح بتطوّر أي نموذج مناقض في أي شأنٍ عام حتى في عهد “الدكتاتور الأب” حين كانت السلطة تلعب دور الطرف الأعلى الذي يتصنّع الحياد ويسعى إلى الظهور بمظهر من يحافظ على مسافةٍ واحدةٍ من بقية الأطراف جميعًا، كما أسلفنا، علما بأن هذا أيضًا لا يعني أنها كانت سلطةً وطنية إذ يشبه سلوكها سلوك سلطاتٍ احتلالية خارجية تسعى إلى ترسيخ الفرقة بين مختلف أطياف الشعب وإدارتها بما يخدم استمراريتها وهيمنتها المطلقة، ولكن ما استجد مع السلطة الوريثة هو أنها، كما أشرنا آنفًا، قد نزلت إلى الشأن العام بوصفها طرفًا يستقوي على بقية الأطراف مستغلّة علاقة القوة التي تميل لصالحه بصورةٍ شبه تامة. بيد أن هذا قد جعل من السلطة الوريثة عرضةً لمخاطر المقارنة المباشرة وحدّ من قدرتها على احتكار الحقيقة في الشأن العام وسهّل من وضع سرديتها على طاولة الفحص والمساءلة الجماهيرية.
وبالتالي قدّم أبو شاكر نموذجًا مناقضًا لما واظبت السلطة على ترويجه وشكّل تفنيدًا صريحًا لسرديتها وتهديدًا لسلامة مفهومها حول السلم الأهلي. ولو كان الأمر يقتصر على مجالٍ رياضيٍّ بعينه، لما اكترثت السلطة كثيرًا، بيد أن أخشى ما خشيته هو أن يتم استلهام التجربة ونقلها إلى شؤونٍ عامة أخرى، بما في ذلك الشأن السياسيّ.
ومن يستبعد وجود هذه المخاوف لدى السلطة آنذاك، عليه أن يعيد النظر في الدور الذي لعبته ملاعب كرة القدم في حقبة نظام الأسدين، ولا سيما في حقبة الأسد الابن، بوصفها ميدانًا بديلا لممارسة المعارضة المبطّنة التي لا يحتاج المرء فيها إلى دفع أثمانٍ باهظةٍ، بما فيها الاعتقال والسجن والتعذيب والقتل، كما أوردنا أعلاه. ناهيك عن أن السلطة، مطلع الثورة، أوقفت “لدواعٍ أمنية” أي نشاطٍ رياضي، بما في ذلك مباريات الدوري السوريّ لكرة القدم، وذلك قبل أن يُستخدم أي نوعٍ من أنواع السلاح من قبل المتظاهرين، أي حين كانت الثورة تقتصر على المظاهرات ومختلف أشكال التعبير السلمي، إدراكًا منها أن الملاعب كانت لتشكّل منطلقًا لمظاهراتٍ وتظاهراتٍ مناوئة لها وهي تظاهرات، لو حدثت، لكانت أبعد ما تكون عن اللون الواحد ولاستحال على السلطة وسمها بالتطرّف والإرهاب وإلى ما هنالك من التهم الباطلة التي وجهتها إلى الجيل (السلمي ومن ثم العسكري) الأول من الثورة.
ولعلّ الأهازيج والهتافات التي رددتها حناجر المتظاهرين الأوائل، ولا سيما في مدينة حمص، تثبت الترابط القوي ما بين هذه الجماهير وملاعب كرة القدم السورية، كما يندرج في السياق عينه انخراط عددٍ من اللاعبين السوريين، بمن فيهم لاعبو الكرامة، في الثورة، ومن أبرزهم جهاد قصّاب الذي استشهد تحت التعذيب في سجن صيدنايا سيئ الصيت، وعبد الباسط الساروت، شهيد الثورة ورمزها الأكثر التصاقًا بها وتعبيرًا عنها (بطلعاتها ونزلاتها)، مما يعدّ خير دليلٍ على مدى صوابية هذا المذهب.
حرب سلمية
لم تتوفّر لدى الاتحاد السوري لكرة القدم أيّة ذريعةٍ للتدخل المباشر في إدارة نادي الكرامة نظرًا للنجاحات المتعاقبة التي ما برحت الإدارة تحققها على الصعد كافةً، وفي أحد تصريحاته التي تعود لتلك الفترة، قال قويض في تعبيرٍ مجازيّ: “كرة القدم هي شكلٌ من أشكال الحرب السلمية”. وبما أنها حربٌ سلميّة فعلية (لا مجازية) بالنسبة للسلطة، تحتّم عليها الابتعاد عن وسائل العنف الصريح، وكان لا بدّ لها من اللجوء إلى لمستها “الإبداعية”.
إبان ستينيات القرن العشرين، آلت جميع المشاريع الصناعية والتجارية التي استولت السلطة عليها ضمن سياسة التأميم إلى الفشل، أو الإفشال المتعمّد بتعبيرٍ أدق، إذ لم يندرج التأميم ضمن سياق التطوير والتنمية الاقتصادية والاجتماعية كما كان عليه الحال في دولٍ أخرى اعتمدت هذه السياسة، وإنما تمحور في سوريا حول إلغاء أي فعاليات اقتصادية قابلة للتطوّر وتشكيل قوةٍ قادرة على مقارعة السلطة وتشكيل تهديدٍ جدّي لهيمنتها في حال نشوء أي تناقض أو تضارب في المصالح.
وهكذا تفتق العقل الإجرامي لدى السلطة عن فكرةٍ مفادها أن إفشال مشروع الكرامة- قويض يتطلّب الاستيلاء عليه أولًا. وفي حين أن “التأميم القسري” يأتي من سياقٍ خارجٍ على السياسات الاقتصادية المستجدة التي تبنتها السلطة الوريثة، كان لا بدّ له من أن يتم بالتراضي ما بين الطرفين. وبالتالي، تم استدعاء الكابتن محمّد قويض لتولّي إدارة المنتخب السوريّ لكرة القدم وقيادته خلال التصفيات الآسيوية المؤهّلة لكأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، في استغلالٍ واضح لرغبة الرجل بتقديم خدماته وخبراته ليس لمدينته وحسب، وإنما لوطنه على وجه العموم. وافق أبو شاكر مباشرةً، لا سيما وأن فرصة أن يكون أول مدرّب في التاريخ ينجح في الصعود بالمنتخب إلى نهائيات كأس العالم قد داعبت مخيلته ودغدغت طموحاته دون أدنى شك. كان ذلك، باعتقادنا، أكبر خطأٍ ارتكبه أبو شاكر في مسيرته المهنية، وإن كان مدفوعًا بحسن النية.
ما لبث الكابتن قويض أن تولّى دفة القيادة في المنتخب، حتى بدأت ماكينة الاتحاد عملها لإحباط مساعيه، مستغلةً في ذلك جميع الوسائل المتاحة لها، وما أكثرها! وبما أن وسائل الإعلام الرياضي في سوريا الأسد، مثلها مثل الوسائل الإعلامية الأخرى، تخضع لسيطرةٍ مطلقة من جانب السلطة، انطلق التحريض الإعلامي على مدرّب المنتخب الوطني بذريعة أنه يعتمد في تشكيلته على لاعبي فريق الكرامة بصورةٍ أساسية متجاهلًا لاعبي بقية الأندية، علمًا بأن الكرامة كان يعيش عصره الذهبي آنذاك وكان يضم نخبةً من أفضل اللاعبين في تاريخ كرة القدم السورية، بمن فيهم جهاد حسين وفراس الخطيب (الذي كان محترفًا في الدوري الكويتي في تلك الآونة، ولكنه خرّيج الكرامة ومحسوبٌ عليه داخليا بطبيعة الحال).
وقد أخذت الجماهير تهتف ضد أبي شاكر غير مرّة بهذه الذريعة، وكثيرًا ما تمّت مطالبته بإخراج أحد لاعبي الكرامة وإشراك أحد اللاعبين من الأندية الأخرى ولا سيما عند ارتكاب اللاعب المعني لأيّة هفوةٍ عرضية أو عند تعرّض المنتخب لأيّة خسارة، الأمر الذي أثّر سلبًا دون أدنى شك على حرية المدرّب في اختيار التشكيلة وعلى تركيزه في إدارة المباريات التي كانت تجري على الأراضي السورية.
علاوةً على ذلك، قصّر الاتحاد بشكلٍ كبير ومتعمّد (وقد تداولت جماهير الكرامة الكثير من الأنباء حول تبييت الاتحاد للنوايا السيئة في هذا الصدد) في قضية إصدار جوازات سفر اللاعبين السوريين المحترفين في الدوريات الأوروبية ممن استدعاهم أبو شاكر للالتحاق بصفوف المنتخب، مما دفع الاتحاد الآسيوي إلى التأخر في الموافقة على مشاركة هؤلاء اللاعبين في المباريات.
الكهرباء ضدنا
وعلى هذا الصعيد، يُروى أن قويض لم يستطع في إحدى المباريات الهامة أن يحدد تشكيلة المنتخب حتى ما قبل سويعاتٍ من انطلاق المباراة خشية أن يرفض الاتحادي الآسيوي مشاركة هؤلاء اللاعبين! وبالتالي، لم يدّخر اتحاد كرة القدم السوري جهدًا في سبيل وضع العراقيل في طريق مدرّب منتخبه الوطني.
وعلى الرغم من كل ذلك، كان المنتخب قاب قوسين أو أدنى من التأهل إذ خرج من التصفيات بفارق هدفٍ واحدٍ فقط، وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن التيار الكهربائي قد انقطع خلال مجريات الشوط الثاني من مباراة المنتخب السوري الحاسمة ضد المنتخب الإماراتي في استاد العين بالإمارات (وهي حالة يتيمة في التاريخ الإماراتي الحديث) بما أفسح المجال للمنتخب الإماراتي لالتقاط أنفاسه وامتصاص فورة المنتخب السوري الذي كان مسيطرًا على أرض الميدان طولًا وعرضًا في تلك المرحلة من المباراة، وبما شكّل مصدر تشويشٍ كبير على اللاعبين السوريين الذين أهدروا حينها عددًا من الفرص السهلة وفوّتوا على أنفسهم فرصة التأهل إلى المرحلة التالية من التصفيات.
بنهاية المباراة صرّح أبو شاكر: “الحمد لله على كل حال، ماذا نقول؟ إذا كانت الكهرباء ضدنا، والجمهور (يقصد الجمهور السوري) ضدنا، والاتحاد (يقصد الاتحاد السوري لكرة القدم) ضدنا، والحظ ضدنا، فماذا يسعنا أن نفعل؟”.
تجدر الإشارة إلى أن السلطة الوريثة استنسخت طريقة تعاملها مع مشروع محمد قويض خلال مواجهتها لجيل الثورة الأول (من السلميين والعسكريين المنشقّين)، من خلال التحريض الإعلامي والتشهير الشخصي وكيل شتى صنوف الاتهامات بالإرهاب والسلفية والعمالة والطائفية. ومع تطوّر الثورة واتساع نطاقها استحضرت تجربة الدكتاتور الأب في حماة الثمانينيات وعمّمتها على كامل المدن السورية الثائرة لتحوّل سوريا إلى حماة كبيرة.
غادر أبو شاكر المنتخب ليستأنف مسيرته المهنية الناجحة سواءً في الكرامة أم في الخارج، بيد أنه غادر البلاد نهائيًا إثر اندلاع الثورة وسرعان ما عاد إليها فور سقوط النظام كما عاد إلى كرة القدم السورية من بوابة تدريب منتخب سوريا للشباب دون أن يكترث بمحدودية الإمكانات وضيق فترة التحضيرات، وهي عودةٌ قوبلت بترحيبٍ واسعٍ من جانب جماهير الكرة وفي الأوساط الرياضية السورية، التي يحدوها الأمل أن يتمكّن أبو شاكر (غداة سقوط النظام) من تحقيق البطولات المستحقّة التي خلت منها خزائن المنتخب السوري لأسبابٍ مختلفة، ولكنها تتفرّع جميعًا من سببٍ أساسيٍّ واحد، وهو فساد السّلطة وسعيها الدائم إلى تحييد النماذج الوطنيّة الجامعة، لا بل وتغليب النماذج المتناحرة والمتنافرة، في شتى المجالات العامة في سوريا.
؟
megazine